تحقيقضرار خطاب – علي الابراهيم – محمد بسيكي

في مدينة الدرباسية التابعة لمحافظة الحسكة شمال شرقي سورية، منتصف تشرين الثاني 2017، خُطفت الطفلة آفين صاروخان (12 سنة) من أمام المدرسة على ما يقول عمّها آرام.

ويؤكد أن ذلك تم بالتزامن مع حملة اختطاف لفتيات في سنّها. الطفلة الخامسة في ترتيب شقيقاتها والتي كانت ترتاد مدرسة لتعلّم اللغة الكردية، أنكر خاطفوها “وهم عناصر خاصة من PKK (حزب العمال الكردستاني)” وجودها لديهم عندما راجعت والدتها إحدى مقرّاتهم في المدينة، “لكن بسبب وجود شهود على واقعة الخطف من أمام المدرسة، اعترفوا وقالوا لها إنها ستؤدي دورة عسكرية ونعيدها”.

التواصل معها انقطع تماماً كما يقول عمّها، وقد علم والداها لاحقاً أنها على إحدى جبهات دير الزور، بعدما نشر حساب على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” تابع للوحدات صورة لها بين مجموعة فتيات وعلى الصورة تعليق يقول “جمالك ورقتك … لا يخفيان الثورة التي بداخلك“.

وإن كانت آفين قد خُطفت وجُنّدت قسراً على ما قاله عمّها، إلا أن لقصة الطفل بشار أحمد (14 سنة)، طابعاً مختلفاً، كونه قصد بنفسه معسكر “سويديكة” قرب المالكية بريف الحسكة في تشرين الثاني 2016 من أجل التدرّب على حمل السلاح، في حين أبلغ أحد المشرفين على المعسكر أهله عندما ذهبوا لزيارته، أنه “عليكم أن تنسوا الطفل، لقد أصبح ابن القضية ولم يعد ابنكم”، وفق مصدر مقرّب من العائلة.

في هذا التحقيق الاستقصائي، وعلى مدار تسعة أشهر، عاين فريق من المحققين الاستقصائيين حالات تجنيد لأطفال من خلال حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي (12 حالة)، وراقب إعلانات وفيات (نعوات) لـ19 طفلاً تحت 18 عاماً، معدّل أعمارهم يتراوح بين 12 – 17 عاماً، حين انضموا رسمياً للقتال، وأجرى مقابلات مباشرة مع ذوي 7 أطفال (5 ذكور، 2 إناث) أحدهم قتل على الجبهات، وقد جُنّدوا في صفوف “وحدات حماية الشعب YPG” والفصائل التابعة لها، منذ تأسيس الوحدات عام 2012 حتى شهر تشرين الأول 2018.

الأطفال المجندون، منهم من لقي حتفه على الجبهات ونعته الوحدات، ومنهم من لا يزال يقاتل، بعدما تنوعت دوافعهم لحمل السلاح قبل بلوغ سن الرشد، كما رصد فريق التحقيق أساليب عدة لتجنيد الأطفال ومنها مستحدثة، وإننا في الوقت نفسه نحجب هوية بعض المجندين القصّر، ومصادر المعلومات، حرصاً على سلامتهم، كونهم ما زالوا يقيمون ويعملون في مناطق سيطرة الوحدات شمال سورية وشرقها.

إن الأطفال المجندين في مناطق سيطرة الوحدات، يشكلون جانباً من عمليات تجنيد الأطفال في سوريا من قبل أطراف النزاع، وفي دول عربية تشهد نزاعات مسلحة، التي “تضاعفت خلال عام واحد”. ففي تقرير لمنظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة “يونيسيف” في أيلول/ سبتمبر 2017، فإن عدد الأطفال المجندين في صراعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنها سوريا تضاعف خلال عام واحد، وإن عدد الأطفال الذين تم تجنيدهم في القتال ارتفع من 576 عام 2014 إلى 1.168 حالة عام 2015″.

يتكشف الجانب المؤلم من حجم الظاهرة عبر أرقام وثقتها منظمة “صوت وصورة” السورية خلال السنوات الثلاث الماضية في مناطق سيطرة “قسد” لأطفال جنود لقوا حتفهم، حيث قُتل 17 طفلاً دون الـ18 سنة على الأقل، خلال استهداف مقرات تابعة للوحدات الكردية أو خلال المعارك في الرقة وحلب ودير الزور، “وتم توثيق هذه المعلومات من خلال أحد الأطفال الذين تم تجنيدهم في 2016” كما يقول مدير المنظمة، سرمد الجيلاني.

معدّلات التجنيد ترتفع أضعافاً

في تقرير صدر في 3 آب/ آغسطس 2018، قالت “هيومن رايتس ووتش” إن وحدات حماية الشعب، وهي أكبر عضو في قوات سوريا الديموقراطية شمال شرقي سوريا، تجنّد الأطفال، وبينهم فتيات، وتستخدم بعضهن في الأعمال القتالية، على رغم تعهداتها بوقف هذه الممارسة.

8 عائلات في 3 مخيمات للنازحين شمال شرقي سوريا، قال تقرير المنظمة: إن عناصر في وحدات حماية الشعب و”الأسايش” (الشرطة) في المخيمات شجّعوا أطفالهم على الانضمام. وقالت هذه العائلات إن 6 فتيات وصبيَّين أعمارهم بين 13 و17 سنة قد جندوا، ولم تستطع العائلات بمعظمها الاتصال بأطفالها منذ تجنيدهم، ولم يعرفوا إلا من السلطات أنّ الأطفال كانوا يتدرّبون.

إحدى الأمهات قالت إن ابنها، البالغ من العمر 16 سنة عندما جُنّد، وكان له دور قتالي وتوفي أثناء قتال المجموعة لاستعادة مدينة الرقة.

وقبل ذلك، في 16 أيار/ مايو 2018، ذكر التقرير السنوي للأمم المتحدة عن الأطفال في النزاعات المسلحة أن 224 حالة تجنيد لأطفال من قبل وحدات حماية الشعب ووحدتها النسائية حصلت عام 2017، بزيادة تقارب 5 أضعاف عن العام السابق 2016، وكان 72 من الأطفال، أي تقريباً الثلث، من الفتيات، وفي 3 حالات على الأقل، اختطفت القوات الأطفال لتجنيدهم.

تقول جيان ع (اسم مستعار)، من سكان عفرين في مقابلة مع فريق التحقيق منتصف عام 2017 والتي تم تجنيد ابنها ألدار عنوة في صفوف وحدات حماية الشعب العام الماضي: “ابني من مواليد 2001 تم سوقه إلى مركز الشهيد رفعت (قرب عفرين)، بعد أن وقّع على ورقة لا يعرف محتواها، فهو لا يقرأ ولا يكتب، ومن دون موافقة أهله، خرج من البيت ليصلح هاتفه الجوال وعاد معه حذاء عسكري” في إشارة منها إلى استعداده للالتحاق بصفوف القوات.

السيدة تؤكد أنه تم تجنيد ابنها، على رغم معاناته من مرض نقص تروية في الدماغ (تحدث نتيجة انقطاع موقت في وصول الدم إلى جزء من الدماغ ويؤدّي الاضطراب في إمدادات الدم إلى نقص الأوكسجين الواصل إلى الدماغ) وتم إبلاغها بأن ابنها سيعود فور الانتهاء من اتباع دورة عسكرية بعد أن حصل على اسم حركي “أفيندار عفرين”.

ليلة زفاف الخال

العاشرة والنصف من مساء يوم الثالث والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 2017، وقف شاب ثلاثيني يحمل بندقية مع 8 مسلحين بأسلحة فردية أمام صالة أفراح في مدينة عين عرب- كوباني. كان البرد قارساً، ومعظم من كانوا في الصالة وقتها بدأوا بالخروج. خلال تلك الليلة تقدم الشاب واسمه جوان أحمد مسلم، وهو قائد مجموعة في قوات سوريا الديموقراطية مع مجموعته المسلحة وأخرجوا طفلاً كان يحضر حفل زفاف خاله، وأدخلوه إلى سيارة رباعية الدفع، ثم توجهوا إلى غرب المدينة 30 كلم باتجاه “معسكر شيوخ”.

إشراقة اليوم التالي، لم تكن كافية ليعرف أهل الطفل كاميران مصطفى علو (12 سنة) من بلدة “يدي قوي” جنوب مدينة، عين العرب/ كوباني 7 كلم، مصير ولدهم الذي تم اعتقاله في ليلة زفاف خاله أحمد، لكن تبين في ما بعد مع فريق التحقيق أن الطفل اختطف بهدف التجنيد الإجباري، وذلك بحسب ما ذكر شيرزان علو، وهو ابن عم الطفل المختطف كاميران، مؤكداً أنهم تمكنوا من معرفة أن الطفل في معسكر في ناحية شيوخ بريف جرابلس، “ويخصص هذا المعسكر لتدريب الأطفال، وهو يضم عشرات الأطفال القصّر المختطفين” وفق علو.

يقول: “عدد كبير من الأطفال مختطفون في هذا المعسكر، إلا أن أهالي هؤلاء ليست لديهم الجرأة على نقل ملفاتهم إلى الإعلام والمنظمات الحقوقية والدولية خوفاً من القمع”.

استخدام أطفال في الأعمال العدائية

وعلى اعتبار أن تجنيد الأطفال مخالف للاتفاقيات الدولية، حيث ينص البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلّحة، على ألا تقوم الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة بتجنيد أطفال دون سن 18 سنة لأي غرض كان. فإن المادة 1 من اتفاقية حقوق الطفل في البروتوكول تحدّد “أن المقصود بالطفل، هو كل إنسان يقل عمره عن 18 سنة”، وفق البروتوكول.

ويشير تقرير “تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية في القانون الدولي للعام 2017” والذي حصل عليه فريق التحقيق، إلى استمرار تجنيد الأطفال في مناطق الوحدات بعدما أدخل تعديل على اتفاق بينها وبين منظمة دولية كان أبرم للحد من الظاهرة، حيث “وقّعت وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، والإدارة الذاتية الديموقراطية على (سند الالتزام) بموجب نداء جنيف، بأنهم سيقومون بفرض حظر تام على استخدام الأطفال دون الـ18 في الأعمال العدائية، غير أنه خلافاً لأحكام البروتوكول الاختياري، أدخلت الوحدات تحفظاً ينص على أنه سيسمح للأطفال البالغين من العمر 16 سنة وما فوق بأن يصبحوا أعضاء في قوات وحدات حمایة الشعب بمحض إرادتهم، وسیشاركون في أنشطة غیر عسکریة، ولا یسمح لهم بالمشارکة بشكل مباشر أو غیر مباشر في الأعمال العدائیة”. وفي حزيران/ يونيو، أعلنت“نداء جنيف” أن المجموعة ستعدّل مدونة قواعد السلوك التي تعتمدها بحيث لا يحق إلا لمن بلغ 17 سنة أو أكثر الانضمام.

يعتبر الكاتب هوشنك أوسي، المقيم في بلجيكا، والذي يتابع موضوع تجنيد الأطفال، أن سبب لجوء حزب الاتحاد الديموقراطي PYD وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب YPG لتجنيد الأطفال هو حاجته إلى مقاتلين يملأون الجبهات بحجة محاربة تنظيم “داعش” وحماية المناطق الكردية من التنظيمات الإرهابية والتكفيرية، مشيراً إلى أن تجنيد الأطفال هو من مصادر التزود بالمقاتلين، ووقود الحروب من قبل الجماعات والأحزاب المسلحة، ويضيف: “لا يوجد مصدر آخر لرفد الجبهات بالعناصر إلا بطريقتين فإما الإقناع والاقتناع أو التجنيد الإجباري للأحداث والقاصرات”.

أساليب التجنيد

تستميل الوحدات الصغار، بحسب شهادات أطفال وذويهم، ومنظمات حقوقية، من خلال إنشاء تجمعات خاصة، تحت مسمّى “كومينات” منها واحد فقط للأطفال، والكومين هو بمثابة “مجلس الحي أو القرية”، وهو اسم يطلقه الحزب على مجالس الأحياء، وكان أولها تأسس في مدينة عفرين بريف حلب الشمالي في أيار/ مايو 2017 – قبل أن تسيطر عليها قوات مسلحة من المعارضة السورية مدعومة من تركيا في آذار/مارس الماضي – باسم “كومين الشهيدة جيلان أونكول للأطفال”، وجيلان هي طفلة تركية من أصل كردي، يتهم أنصار حزب العمال الكردستاني الجيش التركي باستهدافها في ولاية ديار بكر جنوب تركيا عام 2009.

وبحسب وكالة أنباء هاوار نيوز المقربة من الوحدات، في 11 أيار 2017، فإن الهدف من افتتاح “كومينات” الأطفال هو “تنظيمهم وتوعيتهم وتنمية مواهبهم وقدراتهم الثقافية، الفنية، والتعليمية”.

تقول الرئيسة المشتركة لكومين عفرين للأطفال، نورا حسن، في تصريح صحافي نقلته وكالة هاوار، خلال فعاليات افتتاح الكومين، “سيتعلم الأطفال في هذا الكومين دروساً ثقافية، فكرية، أدبية وتعليمية، في الوقت الحالي، ومع مرور الوقت سيكون هناك مشاريع ومخططات أخرى لتنمية مواهب الأطفال وقدراتهم”. ودعت جميع أولياء الأطفال بإرشاد أطفالهم إلى الكومين.

يُعد الحضور إلى الكومين، والتعرف إلى مبادئ حزب PYD وأفكاره خطوة على طريق وضع هؤلاء الأطفال على طريق حمل السلاح، حين يلقنونهم أفكاراً مثل “الانتقام هو طريق الحرية”، و”نحارب العالم لأجل زعيمنا”،  كما يقول ناشط حقوقي من سكان مدينة عفرين، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية.

في رد نشرته “هيومن رايتس ووتش” في 3 آب 2018، وصل إليها من سلطات الإدارة الذاتية، لدى استفسار المنظمة عن عمليات تجنيد الأطفال، ووضع الأطفال في الكومينات، حيث اعترفت السلطات بوضع الأطفال في مراكز خاصة يتلقون فيها “تدريبات فكرية ومهنية”.

وتضمّن الرد إشارة إلى “صدور تعميم من القيادة العامة لوحدات حماية الشعب والمرأة بعدم إشراك من هم دون 18 سنة في الأعمال العدائية وتحت طائلة المسؤولية القانونية والأخلاقية وفي حال حدوثها يتم توقيف المسؤول المباشر بالاضافة الى تخفيض الرتبة العسكرية وتشدد العقوبة في حال التكرار”.

الطريقة الأخرى “الناعمة”، التي من خالها يجذب الأطفال، هي إقحام صور مقاتلي الحزب والوحدات في المناهج الدراسية التي فرضها الحزب في مناطق سيطرته (مناطق الإدارة الذاتية)، وإظهارهم بصورة الإنسان المثالي أخلاقياً، والبطل القومي، وكذلك تسمية الشوارع والمدارس بأسماء القتلى.

يعتبر الكاتب أوسي، إن تجنيد الأطفال “مغطى بشعارات قومية تغازل المشاعر والعواطف القومية لدى الأكراد، على اعتبار أن هذا القتال هو  في سبيل المطالب والحقوق الكردية، لكن هذا السلوك، لا يخدم الفكر القومي أو المشروع القومي، وتجنيد الأطفال وفق القانون الدولي جريمة حرب وجرائم الحرب قطعاً لا تخدم الأفكار القومية والحقوقية لأي شعب”، معتبراً أنّ “لجوء الحزب لتجنيد الأطفال للقتال في مناطق أخرى كدير الزور والرقة وفي كوباني (عين عرب) بمثابة عرف بالنسبة إليه، وسلوك قديم”.

بحسب مراقبين، فإن ظاهرة التجنيد حالة عامة وليست محصورة بالوحدات فقط بل تتشارك بها مع تنظيم “داعش” وفصائل من المعارضة السورية المسلحة.

وعلى صعيد توثيق الظاهرة دولياً، تقول آني مساغي، مديرة مكتب المفوض السامي لحقوق الانسان- الشرق الأوسط، لفريق التحقيق “إن المكتب وثق عدداً من حالات تجنيد الأطفال في سوريا وأبلغ عنها، وكجزء من العمل في هذا الاتجاه، تساهم بذلك آلية الرصد والإبلاغ المكلفة من مجلس الأمن بشأن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة ضد الأطفال في سوريا”.

تجنيد أونلاين

الرابعة عصراً من مساء الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، خرجت الطفلة عويش بوزان، من منزلها في قرية خربيسان شرق مدينة عين العرب- كوباني، ولم تعد.

بعد ساعات من اختفائها علمت عائلة الطفلة من مركز قيادة حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) أنها باتت مجندة لدى قوات حماية المرأة وهو جناح عسكري مسلح تابع للحزب، كما يقول عمها عدنان بوزان، في مقابلة خاصة.

بحسب صورة دفتر العائلة وصفحة الطفلة عويش يتضح أنها من مواليد 1-1-2002 أي لم تتجاوز الـ17 سنة، على رغم سعي العائلة لإثبات ذلك للمعنيين والمسؤولين عن تجنيدها إلا أن محاولاتهم لم تفلح في استردادها، يقول عمها “لقد أبرزنا البطاقة الأسرية الخاصة بالطفلة لحزب الاتحاد الديموقراطي، وقدمنا لهم وثائق، وللأسف لم تجد نفعاً”.

من خلال متابعة العائلة لحالة الطفلة كما يؤكد عمها لفريق التحقيق، تبين أن عويش تم إقناعها بالالتحاق في صفوف القوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبحسب عمها فإن “حزب الاتحاد الديموقراطي والأجنحة العسكرية التابعة له تستخدم أساليب لتجنيد الأطفال عن طريق فرق ومجموعات خاصة تتواصل مع الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عن طريق سكان محليين ويتم إغراؤهم، وفي الأحياء عناصر يتواصلون مع الأطفال وينشرون أفكاراً لتسهيل استقطاب الأطفال، مثل الشعور بالحرية والاستقالالية وبأن تكوني سيدة نفسك وغيرها من الأفكار التي ينجر خلفها الطفل من دون وعي”.

بعد علم العائلة بمصير عويش، وجه عمها نداءً إنسانياً إلى المنظمات المحلية والدولية، مؤكداً أن “عملية تجنيد القاصرين والقاصرات لا تزال مستمرة في مناطق سيطرة حزب الاتحاد الديموقراطي”، وأضاف في منشور عبر “فيسبوك“ أن الأخير يقوم “بتجنيد الأطفال دون السن القانونية في معسكراتهم وزجهم في الصراعات المسلحة في سوريا وذلك انتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية والإنسانية متعلقة بحقوق الأطفال”.

طريق لكسب المال

عوامل أخرى تدفع الأطفال للانتساب إلى “صفوف العسكر”، وهي العنف الأسري والفقر المدقع بعدما تسبب النزاع طيلة السنوات السبع الماضية بارتفاع معدلاته إلى مستويات قياسية.

كان تقرير أعدته كل من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة (الاسكوا) وجامعة سانت اندروز البريطانية، أشار إلى أن عدد السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر تضاعف 3 مرات تقريباً وأن نحو 83.4 في المئة من السوريين يعيشون الآن تحت خط الفقر مقارنة بـ28 في المئة عام 2010″.

حسين الخشمان (14 سنة)، من أهالي قرية “صبيح” التابعة لناحية مركدة بريف الحسكة، التقينا بأحد أقاربه في الشدادي رفض ذكر اسمه لأسباب امنية، قال “انتسب حسين في شباط/ فبراير 2017 إلى YPG بدافع الحاجة المادية من دون علم والده الذي فقد التواصل معه، وتقاضى مبلغ 70 ألف ليرة شهرياً، (145 دولاراً أميركياً)، وكان عمله المسلّح مقتصراً على الحراسة والدوريات التفقدية في بداية الأمر، ثم توجّه مرغماً في أيلول/ سبتمبر الماضي مع مسلحي YPG إلى ريف دير الزور لقتال تنظيم داعش، ولقي مصرعه هناك بتاريخ 24 من الشهر نفسه.” ونعاه الإعلام الرسمي لوحدات حماية الشعب.

أما الطفل ”هـلال جميل“ (اسم مستعار) (17 سنة)، أحد أبناء مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي التي يسيطر عليها مسلحو PYD، ابن أسرة فقيرة، فيوضح أنه لطالما شعر بالغيرة من زملائه في المدرسة من ميسوري الحال، فكانت نصيحة أحد أصدقائه له بالانضمام إلى قوات “آساييش” (قوات الشرطة) التي تعتبر الذراع الأمنية للحزب في مناطق سيطرته مقابل 54 ألف ليرة سورية (110 دولارات أميركية).

تقول بريانكا موتابارثي، القائمة بأعمال مديرة قسم الطوارئ في “هيومن رايتس ووتش”: “حتى لو كان الأطفال يهربون من العنف الأسري أو الفقر، فإن وحدات حماية الشعب لا تحميهم من خلال تجنيدهم في قواتها. إن كانت جادة في مساعدة هؤلاء الأطفال، فعليها الوفاء بتعهداتها وتوفير بدائل لضمان ألا يفقد الأطفال مستقبلهم أو حياتهم”.

أدوار قتالية وجريمة مضاعفة

تواصل فريق التحقيق مع ألدار خليل، القيادي السياسي في حركة المجتمع الديموقراطي، ومع مصطفى بالي، الناطق باسم قوات سورية الديموقراطية، لإعطائهما فرصة الرد والتعليق على الأدلة التي توثق عمليات التجنيد وتثبت استمرارها على رغم الوعود بإيقافها، إلا أن أحداً منهم لم يجب، حتى لحظة نشر التحقيق.

لكن “هيومن رايتس ووتش”، وفي رسالة لها بتاريخ 29 حزيران 2018 موجّهة إلى قوات سورية الديموقراطية وإلى اللجنة التنفيذية لـ”الإدارة الذاتية” التابعة لـ”حزب الاتحاد الديموقراطي الكردستاني”. طالبةً معلومات عن التدابير التي اتخذتها اللجنة لمنع تجنيدهم واستخدامهم في الأعمال العدائية، حصلت على رد مفاده “أنه يتم إبلاغ العائلات لدى تجنيد الطفل، ولكن يمكن أن ينضم الأطفال أيضاً من دون موافقة الوالدين”.

بحسب المنظمة الحقوقية اعترفت الرسالة بأن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و17 سنة يمكنهم الانخراط، لكنهم قالوا إنهم لا يؤدون أدواراً قتالية.

مرة أخرى، توجه فريق التحقيق لمواجهة نوري الخليل، الناطق الرسمي باسم وحدات حماية الشعب بما توصّل إليه فريق التحقيق، فاعتبر أن التقارير التي أوردتها المنظمات الحقوقية عن استمرار ظاهرة التجنيد “قديمة”، وأنه مستعد لإعادة الأطفال المجندين في صفوف وحداته والذين نعرفهم أو وثقنا انضمامهم إلى صفوف الوحدات، إلى أهلهم.

“جريمة تجنيد القاصرين من دون موافقة أهلهم هي جريمة مضاعفة” هكذا يصنفها الكاتب والسياسي عبد الباسط سيدا، معتبراً أن تجنيد الناس- حتى ولو كانوا من البالغين- من دون إرادتهم ومن قبل سلطات أمر واقع ليس لها أي شرعية، وجريمة يعاقب عليها القانون، وهذا ما تفعله وحدات PYD التي لا تقدم نفسها أصلاً كوحدات كردية”. و”على رغم الضغوطات على الحزب (PYD)، سيكون هناك استمرار بالتجنيد، ووعود بالالتزام، وسيكون هناك تعهدات بالتوقف عن تجنيد الأطفال والالتزام بالقوانين الدولية الخاصة بالحروب والنزاعات، يقول بدوره الكاتب الكردي السوري، هوشنك أوسي، وينوه إلى أنه “سيتم التفكير في كيفية الالتفاف على هذه الوعود، والاستمرار في هذا السلوك، لأنه أحد مصادر التزود بالمقاتلين”.