سافر الشاب ثناء الديك، من إحدى قرى مدينة نابلس بفلسطين، إلى الرياض، عبر العاصمة الأردنية عمان، بعد شراء تأشيرة للسعودية من إحدى الشركات بـ14 ألف ريال (تقريباً 5 آلاف دولار)، وفور وصوله التحق بالشركة الفعلية التي يرغب في العمل معها، فالأولى مجرد جسر للوصول، كون الشركة الأخرى لا تملك تأشيرات.

الشاب ذو الـ27 عاماً يحكي لـ «عربي بوست» أنه فوجئ فور وصوله السعودية، بالشركة تُبلغه أن أوراقه بحاجة لتنسيق مع الجهات الرسمية، ربما أسبوعاً، وكان المذهل أن العملية استمرَّت 6 أشهر من دون راتب، قضاها متنقلاً بين بيوت العزاب بظروف قاسية.

وفور مباشرته عمله وعد زوجتَه المقيمة في فلسطين، أن يباشر إجراءات استقدامها لجمع شمل العائلة، وبالفعل تقدَّم لوزارة الداخلية السعودية بالرياض، وسدَّد ثلاثة آلاف ريال رسوماً، وحصل على ورقة الموافقة، وأرسل نسخةً منها لزوجته.

ابنك ممنوع من السفر

سافرت زوجته وطفله البالغ من العمر عاماً واحداً إلى الأردن، وطلبت التأشيرة على جواز سفرها، وكذلك جواز رضيعها، وصعقت حين أبلغت أن رضيعها يحمل جواز سفر أردنياً مؤقتاً ولا يمكنه السفر، والأغرب أنهم أبلغوها أن القرار صدر مطلع أغسطس/آب الماضي، بوقف التعامل بالجواز الأردني المؤقت.

يُسدِّد كلُّ فرد من أفراد العائلة 200 ريال شهرياً

عادت أدراجَها لفلسطين، وبعد شهرين هاتَفَها أن تسافر لتركيا سياحةً، وهناك التقاها مع طفله، وقضوا أسبوعاً معاً، وعادت هي لفلسطين، فيما عاد هو لعمله في السعودية، أما رسوم الاستقدام فغير مستردَّة.

لم يكن ثناء الوحيد الذي عاني من القرار كون معظم الفلسطينيين المقيمين داخل الأرض المحتلة في الضفة الغربية وغزة يحملون جواز سفر أردنياً مؤقتاً، أو جوازاً فلسطينياً صادراً عن السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع إسرائيل، وكلاهما غير معترف به للعمل في السعودية.

تلقَّت الأسرة صفعةً لم تتوقعها، فهناك عشرات الشبان الذين غادروا فلسطين بعد حصولهم على الضوء الأخضر من شركات في السعودية، بمراجعة السفارة السعودية في عمان للسفر إلى أماكن عملهم، وحين مراجعتهم السفارة أُبلغوا أنه تم وقف التعامل بالجواز الأردني المؤقت، الذي لا يحمل رقماً وطنياً أردنياً، بمعنى أن الفلسطيني مستثنى، والمسموح فقط للأردنيين المقيمين في الأردن، الذين هم جوزات سفرهم مدموغة بالرقم الوطني.

لا تعويضات عن التأشيرات

بعض الفلسطينيين اشتروا تأشيرات تتراوح أسعارها بين 14 ألف و20 ألف ريال، ومنهم مَن كان بالأصل يعمل في السعودية، وتمكن من الحصول على فرصة عمل أفضل داخل المملكة، وكانت الخطة أن يغادر يوماً أو يومين ويعود بعد شراء تأشيرة جديدة، وفوجئ بصدور القرار بعد دفع ثمن التأشيرة، أصحاب بيع التأشيرات في العاصمة الأردنية عمان رفضوا إعادة المبالغ التي تسلموها، ما دام هناك عقد مبرم بين الطرفين، وتنصلوا من علاقتهم بإشكالية جوازات السفر.

الجهات الرسمية رفضت التعليق  لـ «عربي بوست» على القرار، والتعميم الواضح الذي يؤكد المعلومة، ما أصدره مكتب «تسهيل» في الأردن الذي بالعادة يتسلم المعاملات ويتولى متابعتها مع السفارة.

الفلسطينيون اشتروا تأشيرات تتراوح أسعارها بين 14 ألف و20 ألف ريال

وتزايدت أعداد المقيمين في السعودية بإقامات منتهية؛ لأن كلفة تجديدها، بعد فرض ضريبة بَدَل تابعين أصبحت عالية جداً؛ إذ يُسدِّد كلُّ فرد من أفراد العائلة 200 ريال شهرياً، ترتفع إلى 300 مطلع العام المقبل، في الوقت الذي يواصل فيه عدد من الشركات الإغلاق وتسريح الموظفين، تفادياً للضرائب الأخرى التي يتولى الكفيل قسماً منها.

رحلت العائلات وبقي الآباء

مجتمع المقيمين في السعودية تحوَّل لمجتمع ذكوري، بعد مغادرة مئات الآلاف من العائلات، وبقاء رب العائلة بمفرده ليبحث عن عمل، أو مواصلة عمله بمفرده، كما أن عدداً كبيراً يغادر السعودية بتأشيرة خروج وعودة، ويرصد الأوضاع خلال وجوده في بلده، والكثيرون كما أبلغوا «عربي بوست» يفضلون عدم العودة، رغم سوء الأحوال في دولهم.

ويعاني كثير منهم في تسجيل أولادهم في المدارس الحكومية، التي تشترط إقامة مجددة، أما المدارس العالمية والأهلية فتشترط إقامة مجددة، ودفع أي ديون سابقة كاملة، ودُفعة من العام الجديد، حتى تسمح لهم بالتسجيل، مئات الأطفال حتى اللحظة وبعد مرور أسبوعين على الدراسة لم يلتحقوا بمدارسهم لعجزهم عن التسديد، خاصة أن الطلاب تقلصوا إلى الرُّبع أو الخُمس في معظم المدارس، التي باتت مهددة بالإغلاق، مع تفشِّي البطالة، وتواصل إغلاق الشركات.

كثير من أولياء الأمور عاطلون عن العمل، في تخصصات متنوعة، بسبب توقف حركة المشاريع والشركات، التي فضَّل أصحابُها الإغلاق والانسحاب من السوق وتسريح الموظفين، والانفكاك من أعبائهم المالية، وبعضهم اتَّجه للاستثمار خارج السعودية، بعد إغلاق جميع سجلاته التجارية وتوقف نشاطه.

الشاب الفلسطيني سمير الحننة يعتبر أن مشاكله الأسرية أصبحت لا تطاق، حتى إن زوجته تقدّمت بطلب طلاق للمحكمة؛ لأنه متعثر عن العمل منذ شهور، حتى إن كفيله الأول عمّم عليه بلاغ «هروب»، إضافة إلى أن أولاده مطرودون من المدرسة؛ لأن إقاماتهم منتهية، وعليه رسوم قديمة.

محمد غندور مواطن أردني عنده 11 طفلاً من  زوجتين، استبق القرار مثل ألوف الوافدين وأرسلهم للاستقرار في الأردن، ليبقى في العمل بمفرده، ومع ذلك فوجئ بإنهاء خدماته خلال فترة الإجازة، والأغرب وجود تعميم «هروب» عليه، وإصرار صاحب العمل على تسفيره، رغم عدم وجود أي إشكالات مسبقة.

تجديد الإقامة يحتاج لمبالغ في الغالب تفوق 20 ألف ريال

تسريحات بالجملة والحياة تزداد غلاء

بدورهم، أكد عدد من المدرسين الذين التقتهم «عربي بوست» خبرَ تسريح عشرات المدرسين، من مختلف الجنسيات، مع بداية العام الدراسي، بسبب مغادرة الطلاب الوافدين إلى دولهم تفادياً للضرائب، ما جعل الصفوف فارغة، واضطرار المدرسة لإغلاق بعض المباني المدرسية تماماً.

المدارس الأهلية والعالمية وجدت نفسَها في مأزق، ما يُهدِّد استمرارَها بعد التناقص الهائل في أعداد الطلاب، مع تواصل مغادرة الوافدين، ما جعلها تطالب أولياء الأمور بتسديد جميع الأقساط المتراكمة سابقاً، وتسديد الدفعة الجديدة قبل السماح لهم بالدخول، في الوقت الذي يشتكي فيه أولياء الأمور من شُحّ مواردهم أو انعدامها.

في ساحة مدرسة أهلية، انفجرت بعضُ الأمهات بالبكاء بعد طرد أبنائهن، وتوسَّل كثيرٌ من أولياء الأمور المقيمين غير القادرين على السداد، ولا نقل الأولاد لمدرسة حكومية، التي تشترط إقامة سارية المفعول، كما أن آلاف الأسر غير قادرة على المغادرة؛ لأنه يشترط تجديد الإقامة أولاً، التي تحتاج لمبالغ في الغالب تفوق 20 ألف ريال، بمعنى أن أحلى الخيارات مر.