استعمار المريخ، كان هذا هو جدول أعمال مجموعة مكوَّنة من 60 عالماً ومهندساً بارزاً في وقت سابق من شهر أغسطس/آب 2018، التقوا خلف أبواب مغلقة في جامعة كولورادو بولدر الأميركية.

كان الهدف من هذا الاجتماع الافتتاحي، الذي نظمته شركة «SpaceX» الأميركية المملوكة لإيلون ماسك بحضور أعضاء برنامج استكشاف المريخ التابع لوكالة «NASA» الفضائية وحمل اسم  «ورشة عمل حول المريخ»، هو البدء في صياغة خطط ملموسة للهبوط على سطح كوكب المريخ وبناء مستعمرة بشرية عليه وتزويدها بما تحتاجه للبقاء، خلال السنوات الأربعين أو المائة القادمة.

تشير هذه الورشة إلى الزخم المتنامي والحقيقة وراء خطط إرسال بشر فعليّاً إلى المريخ. لكن في الوقت الذي تتساءل فيه شركة SpaceX وشركاؤها عما إذا كان بوسعنا العيش هناك، لا يزال هناك من يتساءل عمَّا إذا كان ينبغي لنا فعل ذلك في المقام الأول أم لا، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

هل يريد الأميركيون الذهاب للمريخ؟

طلب استطلاع للرأي، أجراه مركز بيو للأبحاث الاميركي في يونيو/حزيران 2018، من أميركيِّين بالغِين ترتيب الأهمية النسبية لـ9 مهام أولية تعمل عليها وكالة NASA حالياً.

وجاءت مهمة إرسال البشر إلى المريخ في المرتبة الثامنة (متقدمة مرتبة واحدة فقط على مهمة العودة إلى القمر)، في حين يعتقد 18% فقط ممن شملهم الاستطلاع أن تلك المهمة ينبغي أن تكون ذات أولوية قصوى.

نعرف منذ مدة أنَّ رحلة البشر إلى المريخ ستكون صعبة؛ إذ ستكون مُكلِّفة وخطيرة ومملة.

ومع ذلك، يقول كاتب التقرير: «لطالما اعتقدت، مثل كثير من مؤيدي استكشاف المريخ، أنَّ الأمر يستحق كل هذه التضحيات».

ثم يستدرك قائلاً: «لكن -لاختبار صحة هذا الاعتقاد- أردت النظر في الحجة المستخدمة من جانب مناهضي استعمار المريخ».

وقد وجد أن هناك عدة أسباب تلخص لماذا ينبغي للبشر ترك الكوكب الأحمر وشأنه.

لماذا قد يتحول ذهاب البشر للمريخ إلى كارثة للكوكب الأحمر قبل أن تكون لهم؟

من الصعب نسيان صور السيارة الكهربائية «تسلا» القرمزية اللون، التي أطلقتها شركة إيلون ماسك، وهي تطفو في الفضاء قبل 6 أشهر.

أرادت شركة SpaceX إطلاق السيارة تسلا، التي أُطلقت محمولةً على متن صاروخ طراز «Falcon Heavy»، في مدار كوكب المريخ نفسه. حركة دعائية مثيرة بلا شك، وتظهر أيضاً كفاءة تقنية مذهلة.

ومع ذلك، لم يلقَ هذا الحدث ترحيباً وسعادةً من الجميع.

إذ يبدو أنها سوف تحمل معها ملايين من البكتيريا الأرضية

فعكس كل المَركبات السابقة التي أُرسلت إلى المريخ، لم تُعقَّم هذه السيارة، وكذلك دُمية العرض التي تدعى «Starman» الجالسة خلف عجلة القيادة. لهذا السبب، وصف بعض العلماء ذلك بأنَّه «أكبر حمولة من البكتيريا الأرضية تدخل الفضاء على الإطلاق».

 

 

 

وفي الواقع، تجاوزت السيارة تسلا المدار المحدد لها. وفي اللحظات التي كُتبت فيها هذه السطور، هي على بُعد 88 مليون ميل من المريخ، تنجرف عبر ظلام الفضاء في تكرار حلقي لا نهائي. بهذا، يوضح هذا الحادث الحُجَّة الأولى ضد سفر الإنسان إلى المريخ: التلوث.

إذا كان هناك أشكال للحياة على المريخ فلك أن تتخيل ماذا يحدث لها إذا تعرضت للميكروبات الأرضية

فلو هبط البشر في نهاية المطاف على المريخ، فلن يَصلوا وحدهم؛ بل سيحملون معهم تريليونات من ميكروباتهم الأرضية.

وهناك خطر حقيقي يتمثل في أنَّ بعض هذه الميكروبات قد تصل إلى سطح المريخ، وسيؤدي حدوث ذلك إلى إرباك -ربما بشكل لا رجعة فيه- عملية البحث عن حياة مريخية؛ لأننا لن نكون قادرين على تمييز الحياة المحلية الأصلية من الميكروبات التي أحضرناها معنا.

إنَّ وجودنا على كوكب المريخ قد يُعرّض للخطر أحد الأسباب الرئيسية لكوننا هناك؛ ألا وهو البحث عن حياة.

والأخطر أننا لا نعرف ماذا سينتج عن التفاعل بين الأحياء المريخية والأرضية

علاوة على ذلك، لا توجد طريقة واحدة لمعرفة كيفية تفاعل ميكروباتنا مع النظام البيئي المريخي الهش. كتب عالم الفلك الأميركي الراحل كارل ساغان في مجلة Cosmos: «إذا كانت هناك حياة على سطح المريخ، فأعتقد حينها أنَّه لا ينبغي أن يكون لنا علاقة بالمريخ».

ثم إنَّ المريخ يخص المريخيين، حتى لو كان المريخيون مجرد ميكروبات.

ويقول كاتب المقال: «أعتقد أنَّ الحفاظ على تلك الحياة يجب أن يحل محل أي استخدام آخر ممكن للمريخ».

ولكن، قد يكون هناك بديل لذهاب البشر للمريخ.. فهناك من هو أقدر منهم على هذه المهمة

بالطبع، إحدى الطرق السهلة لتقليل مخاطر التلوث هي إرسال الروبوتات إلى المريخ بدلاً من البشر، وهي الحُجَّة الثانية ضد إطلاق رحلة مأهولة بالبشر إلى المريخ.

الروبوتات لديها العديد من المزايا المتأصِّلة فيها. هي أرخص كثيراً من البشر؛ لأنها لا تتطلب بنية تحتية واسعة لتوفير أشياء مثل الماء والغذاء والهواء الصالح للتنفس.

وكذلك، هي محصَّنة ضد مخاطر الإشعاع الكوني وغيرها من الأخطار الأخرى المتأصلة في السفر إلى الفضاء. كذلك، هي لن تشعر بالملل.

وبالفعل، اكتشفت البعثات الروبوتية أشياء مُبشِّرة بوجود حياة على هذا الكوكب

يمتلك مجتمع الفضاء الدولي إرثاً استثنائياً من البعثات الروبوتية إلى المريخ على مدى الأعوام الـ40 الماضية.

قبل بضعة أسابيع، أثبتت بعثة Mars Express الاستكشافية الفضائية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبيةوجود مياه سائلة مدفونة في المنطقة القطبية الجنوبية من المريخ.

كما احتفل المسبار الفضائي الأميركي Curiosity Rover، مؤخراً، بمرور 6 سنوات على اكتشافجزيئات عضوية وآثار لغاز الميثان في هواء كوكب المريخ، وكلا الأمْرين يمثل إشارات إيجابية إلى وجود حياة على سطح الكوكب.

وقد يمكنها بالفعل الوصول للميكروبات المريخية

وعلى الرغم من أنَّ معظم أهداف المسبار Curiosity تُختار بواسطة البشر، فهو يستخدم أيضاً الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور بشكل مستقل ويختار أهدافاً لنظام الكشف بالليزر الخاص به.

مع وتيرة التقدم السريعة في الروبوتات والذكاء الاصطناعي، من المرجح أن يتزايد تأثير وفاعلية المستكشفين غير البشريِّين؛ إذ ستستطيع الروبوتات على المريخ القيام بأبحاث علمية معقدة بشكل متزايد، والوصول إلى الحفر والأخاديد التي قد يجد الإنسان العادي صعوبة في الوصول إليها، وربما تُستخدم الروبوتات أيضاً في الحفر للبحث عن الميكروبات المريخية.

هل يمكن أن يكون المريخ وطناً بديلاً للبشر عن الأرض؟

يمكن القول إنَّ الإشكال الأكثر استقطاباً في الجدل بشأن استعمار المريخ يتمثل في التوتر بين الحالمين بوطنٍ ثانٍ في المريخ، ومن يمنحون الأولوية للوطن الذي نملكه بالفعل في الوقت الراهن، وهو الأرض.

فقد أعلن عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ قبل موته عن تنبُّؤه القاتم بأنَّ البشر لم يبقَ أمامهم سوى 100 عام على كوكب الأرض.

واعتقد هوكينغ أنَّنا قد وصلنا إلى «نقطة اللاعودة» في مواجهة قائمة متنامية من التهديدات: تغير المناخ والاكتظاظ السكاني والحرب النووية. ولم يعد لدينا خيار كجنس بشري سوى إقامة مستعمرات في كواكب أخرى.. والبداية مع استعمار المريخ.

كما قال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة SpaceX، في مناسبات عديدة، إنَّنا بحاجة إلى «كوكب احتياطي» إذا حدث شيء مروع  يدمر الأرض مثل تصادم كويكبات مع الأرض.

ولكن، يظل  من الأفضل عدم الذهاب إلى هناك.. فهناك ما يجب أن نفعله على الأرض أولاً

ومع ذلك، لا يتفق الجميع مع ذلك؛ إذ اعتقدت غالبية الأشخاص البالغين الأميركيين، في استطلاع مركز بيو الذي سبق ذكره، أنَّ أولوية وكالة ناسا الأولى يجب أن تكون إصلاح مشكلات الأرض.

بناء مستعمرة قائمة بذاتها على المريخ يحتاج للاستفادة من موارد الكوكب

إنَّ مليارات -إن لم تكن تريليونات- الدولارات اللازمة لاستعمار المريخ يمكن -على سبيل المثال- إنفاقها بشكل أفضل على الاستثمار في أشكال الطاقة المتجددة لمعالجة مشكلة تغيُّر المناخ، أو تعزيز دفاعاتنا الكوكبية ضد أي تصادمات محتملة.

بالطبع، إذا لم نكتشف كيفية التعامل مع المشاكل التي صنعناها بأيدينا هنا على الأرض، فليس هناك ضمان بألا يلقى مستعمرو كوكب المريخ المصير نفسه.

ولو ضربت كارثةٌ كبيرةٌ الأرضَ، فالأجدى إنشاء مخابئ في جوفها بدلاً من استيطان هذا الكوكب الخطير

علاوة على ذلك، إذا حدث شيء مروّع حقاً على الأرض، فليس من الواضح أنَّ المريخ سيكون خلاصاً فعَّالاً. على سبيل المثال، يمكن أن تحمي مخابئ عملاقة تحت الأرض المزيد من الناس بسهولة أكبر من مستعمرة على سطح المريخ.

وفي حالة حدوث سيناريو مروِّع، من المحتمل أن تكون الظروف على الأرض -مهما كانت مرعبة- أكثر ملاءمة للحياة من الأراضي القاحلة في المريخ. دعونا لا ننس أنَّ المريخ ليس له غلاف جوي، وجاذبيته ثلث جاذبية الأرض، ومُعرّض للإشعاع السطحي بنسبة أكبر بنحو 100 مرة من الأرض.

ولذا يجب أن نقوم بهذه الأمور قبل التفكير في السفر إلى المريخ الذي سيحدث غالباً بغضون هذه المدة

تُظهر الحُجج المذكورة أعلاه أنَّنا ربما غير مستعدين للذهاب إلى المريخ، على الأقل في الوقت الحالي.

نحن نحتاج أولاً إلى تحديث سياساتنا بشأن الحماية الكوكبية، وتطبيقها بنزاهة وعدالة على كل من كيانات القطاعين العام والخاص. نحن بحاجة إلى فهم الدور الفريد للإنسان في الاستكشاف، بما يتجاوز الروبوتات.

ولا يمكننا إغفال التحديات على الأرض وتجاهلها، ولا استخدام وعد الحياة على المريخ كفرصة للتنصل من المسؤولية عن الأرض.

لكن القضية تتعلق أكثر بالتوقيت. لن تكون هذه التقنية جاهزة لإرسال إنسان إلى المريخ مدة 10 أعوام قادمة أخرى، وربما حتى 15 عاماً. هذا أمر جيد. يجب أن نستخدم هذا الوقت بعناية للتأكد من أنَّه في الوقت الذي يمكننا فيه الذهاب إلى المريخ، سيكون من الملائم لنا أن نفعل ذلك فعلاً.