بالنيابة عن مخرج الفيلم الوثائقي “طعم الاسمنت”، تسلّمت الممثلة السورية، الموالية جداً لنظام بشار الأسد، شكران مرتجى جائزة الفيلم، التي استحقّها أخيراً في مهرجان وهران السينمائي في الجزائر.
الأمر مستغرب بالطبع، من مخرج عرف عنه معارضته للنظام في بلده، ولن نفترض هنا أن “معارضته” تعني الانتماء إلى فصيل أو تيار أو أي مؤسسة معارضة.
مخرج الفيلم زياد كلثوم ردّ على التساؤلات الكثيرة المستغربة بالقول “أتمنى من الجميع عدم إرسال أي رسالة والسؤال بخصوص ما حدث في مهرجان وهران السينمائي، وتسلّم الفنانة شكران مرتجى للجائزة، والكفّ عن تصنيف فيلمي تحت عنوان أنه ينتمي إلى أفلام “المعارضة” أو إلى أي فصيل سياسي”.
ويتابع كلثوم “الأفلام التي أصنعها مبنية على موقف إنساني بعيداً كل البعد عن أي بروباغندا لأي طرف، لأنني ببساطة لا أنتمي إلى أي طرف، أنتمي فقط إلى إنسانيتي ووجداني”.
لا ندري كيف استنتج المخرج السوري أن الاعتراض على شكران مرتجى ممثلةً لفيلم سوري يحكي ألم اللاجئين السوريين (اللاجئين الذين هجّوا بسبب من براميل رئيس شكران مرتجى، هي التي تصحو وتنام تغرد له ولنظامه) يعني تأطيره ضمن فصيل أو طرف، أو أن استنكار الناس يعني انتزاع صفة “الإنسانية” عنه وعن أفلامه.
ثم إن معظم الفنانين والمبدعين السوريين لا ينتمون فعلاً لأحزاب ومؤسسات معارضة، فما حكاية “لا أنتمي لأي طرف”؟ هل هي نوع من “البراءة” من “شبهة” الثورة؟
“لا أنتمي لأي طرف” هي إعلان براءة وتنصّل لا يليق بمن ينتمي لـ “الإنسانية”، فعندما نتحدث عن طرفين في سوريا، سنجد أن هناك النظام المتوحش والمجرم (وشكران مرتجى أحد أبرز رسله وأبواقه)، وهناك ملايين السوريين الضحايا (الذين عجزت مؤسسات المعارضة وأطرها المعروفة عن تمثيلهم)، لذلك فإن العبارة ظالمة بحق الضحية، ولا تعني سوى تركها لمصيرها بين يدي اللاعب الأقوى.
الآن فقط بات بإمكان زياد كلثوم أن يتنصّل، بعد سنوات قدّم فيها صراحة أو ضمناً على أنه مخرج معارض، وعلى وجه الدقة لم يكن ليجد ذلك التبني والدعم في الوصول (مع فيلمه السابق على الأقل) لأفضل المنابر والمهرجانات لولا دعم أسماء بارزة معارضة للنظام، من دون أن تنتمي لأي فصيل أو حزب.
ما همَّ، إنه زمن الهزيمة، والهزيمة لا أبَ لها.

الروس قالوا له

يأخذنا مراسل “بي بي سي” ستيف روزنبرغ في “جولة في سوريا برفقة الجيش الروسي”، حسب عنوان تقرير مصور عرض أخيراً. جولة مصورة بحماية الدبابات وملالات الجند تجوب البلاد من جنوبها إلى وسطها. يحاول المراسل التذاكي باستخدام عبارات من نوع “قيل لنا”، أو “أراد الروس أن يُظهروا لنا..”، كأنما هو مكره على ما يسمح به الروس فقط.
لكن يحسب المرء أن هذا التذاكي ليس تذاكياً على الروس، للإيحاء بأنهم أجبروه على قول ما يريدون، بل هو تحايل على المشاهد، وعلى شروط المهنة، أراد المعد أن يرد التهمة عنه استباقياً عبر التلاعب بصياغة العبارات.
يبدأ المراسل بالقول “خلال الجولة يمكن رؤية حجم الدمار بعد سبع سنوات من الحرب الأهلية، لكن الروس يريدون لنا أن نرى أن الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها. لذلك اصطحبنا الدليل إلى مصنع الكوابل والمحولات الكهربائية في دمشق. تم طرد المتمردين من المصنع وعاد المصنع إلى العمل”.
ثم يضيف “تم اصطحابنا إلى مزرعة خوخ (الترجمة العربية تقول خوخ، بينما الصورة تعرض بستان دراق) في حماه. وقيل لنا إن هذا دليل آخر على عودة الحياة الطبيعية”.
وفي حمص تعرض كاميرا المراسل “افتتاح سوق جديد وفرقة نحاسية تعزف للمناسبة”. قبل أن “يتم إحضارنا إلى بلدة الرستن في وقت مناسب لرؤية الجيش الروسي يقدم المساعدات”.
إذاً كل ما في الصورة يقول إن “حرب السوريين الأهلية” دمرت كل شيء، بينما الروس يبنون المصانع ويؤسسون مزارع الخوخ، ويفتتحون الأسواق ويمدون يد العون.
صحيح أن المراسل يعترف بأن الروس أملوا عليه ما يقول، لكن الصحيح أيضاً أنه أبدى انصياعاً قلّ مثيله بالنسبة لمراسل حربي أجنبي.
حسناً، لقد قال لك الروس كذا وكذا، ولكن أنت ماذا تقول؟ لماذا لم تستطع كاميرتك أن تختلس ولو لقطة واحدة خارج رغبة الروس؟!
نفهم أن رفقة الروس هي هكذا دائماً، تزوير وتمويه وربما قتل للصحافيين المعارضين عند تفاقم الأمر، ولكن ماذا عن “بي بي سي”؟

الموت والعذراء

“الموت والعذراء” لأرييل دورفمان واحد من أجمل النصوص المسرحية، التي تتحدث عن عهد الديكتاتورية والمشكلات التي تواجه الفترة الانتقالية إلى عهد الديمقراطية والمصالحة الوطنية.
النص استند إلى حادثة واقعية حدثت إثر سقوط الديكتاتور بينوشيه، وحكايته أن رجلاً استضاف في بيته عابرَ سبيل، سائقاً نجا من حادث سير قرب المكان، فتتعرف الزوجة في صوت الضيف على السجّان الطبيب، الذي أشرف على تعذيبها في السجن وعرّضها لاغتصاب وحشي، ما زالت تعاني آثاره في حياتها الراهنة. كيف ستتصرف، كيف سيتصرف زوجها، وهو المحامي المعين في لجنة المصالحة الوطنية، كيف يحاكم مجرمو الحرب، إلى غيرها من الأسئلة كانت شواغل النص.
لكننا، مع فيديو لـ “بي بي سي” في مواجهة “عذراء” يزيدية عراقية اختطفت وعذبت على يد “داعش”، تجد نفسها في شارع ألماني وجهاً لوجه مع مختطفها الواضح. لا يتخفى، ولا ينكر، بل يطاردها مجدداً: “أنت أشواق؟! أعرفك، وأعرف عائلتك. أعرف أين تسكنين، أعرف كل شيء عن حياتك”!
الموت والعذراء، كلاهما معاً، في شارع ألمانيّ.
لم تحن لحظة العدالة، ولا خوف لدى القاتل. المسرحية لم تنضج بعد، إنها في طور المونودراما، حيث أشواق وحدها على الخشبة، تصرخ وتقول إن القاتل ما زال يطاردها.
لم تغادر أشواق “سوق النخاسة” في بلدتها الصغيرة، لقد انتظرت أن يكون “العالم الألماني” من دون نخّاسين. من يقنعها أن العالم، برمّته، لم “يتدعوش”!؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

راشد عيسى