“ونحن نودع نيراننا لا نرد التحية، لا تكتبوا علينا وصايا الإله الجديد… إله الحديد”، هذا ما رد به محمود درويش عام 1992 على دعوة النظام السوري، عام 2018 للاجئين بالعودة إلى “حضن الوطن”، ليتابع قائلاً: “كنا هنا نعمر أكثر لولا بنادق انكلترا والنبيذ الفرنسي والانفلونزا”، في إشارة لمرتزقة إيران و فودكا الروس وآفات الحصار، أكثر من 5.5 مليون لاجئ مسجّل ضمن قيود مفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، ويقدر العدد الإجمالي بـ 13 مليون نازح سوري ما يعادل 60%، من سكان سوريا ما قبل “الثورة”.

وعن الاقتصاد المدمر في سوريا، نشر موقع موالٍ لنظام الأسد مع بداية 2017 دراسة للباحث الاقتصادي الدكتور عمار يوسف، المعروف بولائه للنظام، خلصت تلك الدراسة بأن حجم الدمار يقدّر بـ 1214 مليار دولار، كان السكن والعمران لهما نصيب “الأسد” من تلك الخسائر، ذاته “اليوسف” يتحدث قبل عام عن 89% من السوريين باتوا تحت خط الفقر، بسبب “المؤامرة الكونية”.

تزامناً مع إفراغ مناطق “الثورة” من معظم سكانها، سواء في محيط العاصمة دمشق والقلمون الشرقي، ودرعا وريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، ترتسم لدى السوريين خارطة الديمغرافية الجديدة، ساند النظام تلك الخارطة بالقانون رقم 10 المتّهم بشرعنة سرقة أملاك المهجرين، ووكّل عقبها أحد دعائم ذلك القانون، وزير الإدارة المحلية “حسين مخلوف” في إدارة برنامج “هيئة تنسيق عودة المهجرين في الخارج”.

كل ذلك كان توطئة لدعوة أطلقها نظام الأسد، ظهرت على أبواب السفارات يحثّ فيها اللاجئين للعودة إلى سوريا، مختزلاً كل ما عانوه بورقة وبضعة أسطر.

حيث قال الكاتب الصحفي مرهف دويدري لحرية برس إن الدعوة تأتي في سياق ” الحل السياسي الذي تسعى له موسكو بعد التوافق مع الدول الكبرى لتسوية الوضع السوري بما يحقق الاستقرار لها في سوريا هذا الحل مبني أساسا على ثلاث حوامل اولها الحسم العسكري وفرض السيطرة وهو ما تحقق لها عبر الإبادة الجماعية والتهجير وكتابة دستور بحسب الرؤية الروسية وإعادة الشرعية للنظام عبر عودة اللاجئين ضمن فرضية أن الدولة الشرعية انتصرت على الإرهاب الذي هجر السوريين”.

وحذّر “دويدري” من نجاح هذه الدعوة التي ستعلن “بداية مؤتمرات الداعمين لإعادة الاعمار الذي يسعى لها النظام في دعم اقتصاده وتثبيت أركان حكمه بالإضافة لتثبيت الاتفاقيات التي عقدت مع روسيا وإيران، مؤكداً على أن النظام غير مهتم بالسوريين ولن يعمل، على إعادة الخدمات بقدر العمل على “الاستفادة من دعم المانحين وإعادة تدوير نفسه حتى عام 2021 أي لنهاية ولاية بشار الأسد.

وفي هذا الصدد تحدث الباحث الاقتصادي الدكتور محمد عمار السعيد لحرية برس عن سبب عجز المعارضة بتقديم إحصائيات دقيقة عن حجم الدمار في سوريا، وعن الهدف الاقتصادي خلف تلك الدعوة، حيث رأى أن المعارضة تفتقر لأدوات الإحصاء من حيث الاختصاص والموارد، إضافة إلى عدم وجود مراكز إحصائية، وبسبب غياب هذه المراكز تصبح الإحصائيات أقرب إلى التوقّع والاستنتاج، الأمر الذي يتقنه النظام جيداً، حيث يقدم تلك الإحصائيات للباحثين “الموالين” ليقوموا بدراسات تتماشى مع سياسات النظام.

وأضاف “السعيد” بأن الهدف من دعوة النظام، يتلخّص بعملية ابتزاز مالي، للدول المضيفة الراغبة في إعادة اللاجئين، فمن يريد ذلك عليه أن يقدم مشاريع جاهزة لنظام الأسد، يضمن بموجبها النظام ربط تحسن اقتصاده مع مخاوف الدول المضيفة.

وقد أعربت الناشطة في المجتمع المدني (س، أ) والتي طلبت عدم ذكر اسمها، عن رفضها للدعوة متسائلةً عن المكان الذي سيبيت فيه المهجرون في حال عادوا إلى قراهم ومناطقهم المدمرة، فضلاً عن الحالة المعنوية والمادية المزرية التي تشهدها البلد في ظل عدم وجود موارد الحياة الكافية للمتواجدين حالياً، وترى الناشطة بأن النظام يريد “تنغيص حياة من وجد الاستقرار الجزئي خارج سوريا، وأن قوائم القتلى من المعتقلين لم تقفل بعد ويضاف لها أسماء جدد ممن قبلوا مرغمين البقاء داخل مناطقه”.

ختاماً… كل من خرج من سوريا يحق له العودة ولكلٍّ سببه الخاص ودافعه المنطقي، دون النظر إلى انتمائه أو ولائه، لكن تبقى العودة مقترنة بالاستقرار الذي قد ينتج عن تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، الذي يعد بتشكيل حكومة انتقالية، يعقبها انتخابات، وقد لا يعني اللاجئ هذا الأمر إلا أنه يعلم جيداً عقب سنوات الحرب والثورة بأن الأطراف الفاعلة في سوريا لها إرادة نافذة نحو مستقبل السوريين من خلال المصطلح الشهير “تطلعات الشعب السوري”.

محمد هنداوي – حرية برس