يعد ملف المعتقلين لدى النظام السوري من أكثر الملفات جدلاً وبات العقدة الأصعب في مسيرة المفاوضات بين دول الملف السوري وبخاصة تركيا وروسيا اللتان تولتا مسار أستانة رغم عدم وجود أي تقدم في هذا الموضوع سوى بضع قوائم لمعتقلين قضوا تحت التعذيب.

وكان مطلب المعتقلين الأول وربما الوحيد في الآونة الأخيرة للسوريين المعارضين للنظام بعد أن استعاد الأخير بدعم من حلفائه الروس والإيرانيين معظم المناطق السورية من درعا جنوباً وحتى حماة شمالاً مع حصر كل من يعارضه في إدلب وريفها ضمن قطاع مربوط بتركيا من الجهة الشمالية والغربية.

ولم يعدالحديث عن قصص المعتقلين وآلامهم وقصص قتلهم والتنكيل بهم في أقبية النظام السوري غريباً، ففي كل مرة كانت القصص الواردة متشابهة في غالبية المشاهد اعتقال وتعذيب، انتهاك وفقدان لأدنى مقومات الحياة ثم قتل أو إفراج.

“فاطمة أم رضوان” سيدة في الأربعينيات من عمرها، أجبرتها الحرب على النزوح من منزلها الكائن بريف مدينة حماة للانتقال والعيش في منزل مهترئ على أطراف بلدة “أطمة” بريف إدلب، وقد روت “أم رضوان” في حديث لـ عربي 21، قصة أختها التي تلقت نبأ مقتلها قبل نحو شهرين في سجن “صيدنايا” أحد أسوأ سجون النظام وأكثرها وحشية بحق المعتقلين وصاحب محرقة الجثث التي رصدتها الأقمار الصناعية الأمريكية.

وقالت أم رضوان: “قبل أشهر تلقينا نبأ استشهاد شقيقتي سمية تحت التعذيب في أقبية النظام، نعم لقد كان الخبر صادماً وكان نهاية الأمل لدينا، للأسف لن تعود سمية أبداً بعد أن جاءنا نبأ استشهادها تحت التعذيب في معتقل صيدنايا”.

وروت “أم رضوان” قصة الاعتقال قائلة: “مطلع العام 2016 وبالتحديد في الثامن من شهر شباط/فبراير، ذهبت أختي من أجل استخراج أوراق رسمية ووثائق ثبوتية من حماة بهدف اللحاق بزوجها إلى ألمانيا عن طريق لم الشمل، وأثناء إجراء معاملة لاستصدار بيان عائلي تم اعتقالها وابنها لكون زوجها كان مقاتلاً في الجيش الحر بين عامي 2012 – 2014، وبعد السؤال عنها تبين أن الاعتقال تم عبر دورية تابعة لفرع أمن المعلومات.

 

ولم تفلح جميع الوساطات في الإفراج عنها رغم أن المبالغ المالية التي تم دفعها بلغت 10 ملايين ليرة سورية خمسة عنها وخمسة عن ابنها البالغ من العمر 12 عام.

وأضافت: “ثم تلقينا بعد فترة سبعة أشهر تحويلها إلى سجن صيدنايا بالعاصمة دمشق رغم أننا حاولنا التواسط لدى ضباط برتب عالية في محاولة لإخراجها أو لإخراج ابنها على أدنى تقدير ثم انقطعت أخبارها لحين قبل أسبوع عندما أبلغتنا إحدى المعتقلات المفرج عنهن حديثاً أنها استشهدت منذ آذار/مارس الماضي”، مشيرة إلى أن وفاتها كانت بعد تعرضها للتعذيب الشديد هي وابنها.

تستطرد: “أخبرتنا سعاد التي كانت مع سمية في ذات الزنزانة أن سمية استشهدت منذ عام ونصف تقريباً وأن ابنها محمد تم نقله لأحد دور الأيتام في مدينة حماة، وقد كانت سمية على الدوام توصي المعتقلات اللاتي معها بأن تذهب إحداهن لأهلها في حال خرجت من السجن وتخبرهم بحالها.

 

واستمرت الحال لحين يوم السادس والعشرين من آذار/مارس 2017، عندما تم إخراج سمية بعد طلبها لولدها باستمرار إلى ممر الزنزانات الكريدور وبعد دقائق بدأ صراخ الأم والطفل، ودعاء سمية عليهم فيما بدا صوت الضرب والتعذيب واضحاً قبل أن يعود السجانون ويرمون بسمية في الزنزانة والدماء تسيل منها”.

وتابعت أم رضوان: “وبعد النظر إليها تبين أنها تلقت العديد من الطعنات النافذة في مختلف أنحاء جسدها كانت الدماء تغطي ثوبها الرقيق الزهري الذي فقد لونه وتحول إلى اللون الأبيض، وحاولت المعتقلات إسعافها بشتى الوسائل التي لا يكفي منها لسد نزيف إصبع، كانت سمية تصرخ حرقوه بالسجاير، حرقولي ابني الله لا يوفقهن وينتقم منهم، وبعد ساعات فارقت سمية الحياة وعاد السجانون مجدداً وأخذوا جثتها بعيداً، فيما غاب صوتها وصوت ابنها وغاب الأمل الذي كان في عينيها بانتظار لقاء أهلها وولدها خارج السجن”.

ولفتت إلى أن هناك المئات من أمثال سمية في سجون النظام يتعرضن لشتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي إضافة لعمليات الاغتصاب وانتهاك الأعراض في الوقت الذي لم تفاوض فيه الفصائل سوى على بضع مئات مقابل آلاف من أهالي الفوعة وكفريا وفق تعبيرها.

الجدير بالذكر أن قصة سمية مشابهة لقصة السيدة السورية المنحدرة من مدينة داريا بريف دمشق “رشا شربجي”، التي اعتقلها النظام السوري مع أطفالها عام 2014 ووضعت توأم بنات في السجن وخرجت في شباط 2017 بموجب صفقة تبادل للأسرى.

 

 

 

 

 

 

 

حسان كنجو | صحف