تكونت أزمة اللاجئين التي هيمنت على أخبار عامي 2015 و2016 في المقام الأول من ارتفاعٍ حاد في عدد الوافدين إلى أوروبا لطلب اللجوء.

انخفض ذلك العدد الآن، واتخذت الحكومات إجراءاتٍ صارمة ضد حركة المهاجرين غير النظاميين داخل الاتحاد الأوروبي، وهناك عدة آلاف محتجزون في مراكز الاستقبال أو المخيمات بجنوب أوروبا، في حين يحاول آخرون بداية حياةٍ جديدة في الأماكن التي استقروا فيها.

هذه الأزمة نتج عنها انتشار بعض المسلمات بين الناس والتي لم تكن حقيقية كما يعتقدون، بل كانت أقرب للخرافات التي يجب توضيحها، وهو ما قامت به صحيفة The Guardian البريطانية.

الخرافة الأولى: الأزمة انتهت

من الخطأ رؤية أزمة اللاجئين باعتبارها حدثاً بدأ في عام 2015 وانتهى العام التالي، لأنَّ ذلك يحجب حقيقة استمرار الأسباب الأساسية للهجرة. فرؤية الأزمة من هذا المنظور تعطي انطباعاً عن أن أوروبا ما زالت نقية حتى اليوم، تفد عليها قطعانٌ من الغرباء لا علاقة لها بهم. وهي رؤية مضللة.

ترتبط كارثة السنوات الأخيرة بسياسات الهجرة التي وضعتها العواصم الأوروبية بنفس مقدار ارتباطها بالأحداث التي وقعت خارج القارة، وتتكون الأزمة أيضاً من ردٍ فعل مبالغ فيه وشعورٍ بالهلع، تغذيه سلسلةٌ من المفاهيم الخاطئة عن هوية المهاجرين، ولِمَ يأتون إلى هنا، وما الذي يعنيه ذلك لأوروبا.

يملك الاتحاد الأوروبي أكثر الأنظمة تعقيداً في العالم لردع المهاجرين غير المرغوب فيهم. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، ومع تآكل الحدود داخل أوروبا، مُنِحَ معظم مواطني الاتحاد الأوروبي حرية التنقل والسفر بدون جواز سفر، في حين زادت عسكرة الحدود الخارجية. وتشير تقديرات منظمة العفو الدولية إلى أنَّ الاتحاد الأوروبي أنفق بين عامي 2007 و2013، أي قبل الأزمة، ما يقرب من ملياري يورو (نحو 1.17 مليار دولار أميركي) على الأسوار وأنظمة المراقبة والدوريات البحرية والبرية.

نظرياً، يجب أن يُعفى من هذه الضوابط أولئك اللاجئون الذين يملكون حق عبور الحدود بحثاً عن اللجوء بموجب القانون الدولي. ولكن في الواقع، حاول الاتحاد الأوروبي منع طالبي اللجوء من الوصول إلى أراضيه بكل الطرق الممكنة: عن طريق إغلاق الطرق القانونية مثل القدرة على طلب اللجوء في السفارات الأجنبية، ومن خلال فرض عقوباتٍ على شركات النقل التي تسمح بالسفر إلى الاتحاد الأوروبي دون المستندات اللازمة، ومن خلال توقيع المعاهدات مع جيرانه حتى يسيطروا على الهجرة نيابةً عنه.

وداخل الاتحاد الأوروبي تُجبر اتفاقية دبلن طالبي اللجوء على تقديم طلب اللجوء في البلد الذي يصلون إليه أولاً.

وبعد الانتفاضات العربية في عام 2011، تزايدت أعداد الوافدين إلى أوروبا لطلب اللجوء عبر تركيا، أو عبر طريق وسط البحر المتوسط من شمال إفريقيا. لكنَّ أوروبا واصلت اعتبار الأمن أولويتها الأولى بدلاً من حماية الضعفاء. وفي نفس الفترة التي أنفق فيها الاتحاد الأوروبي 2 مليار يورو (2.3 مليار دولار أميركي) على تأمين الحدود، أنفق ما يُقدَّر بحوالي 700 مليون يورو (820 مليون دولار أميركي) على أوضاع استقبال اللاجئين.

ووصل عدد طالبي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي 3 مليون شخص في عام 2015 وعام 2016، وهو ما يمثل جزءاً صغيراً فقط من إجمالي عدد سكان الاتحاد الأوروبي البالغ 508 مليون نسمة، لكنَّ طريقة وصولهم كانت فوضوية، ومات الآلاف وهم يحاولون. وحاول معظم المهاجرين مواصلة رحلاتهم إلى شمال غرب أوروبا، وانهار تنفيذ اتفاقية دبلن مؤقتاً.

وكثيراً ما تؤدي سياسات تأمين الحدود إلى تفاقم المشاكل ذاتها التي وُجِدَت لحلها، من خلال إجبار المهاجرين غير الشرعيين على اتخاذ مساراتٍ أكثر خطورة، وزيادة اعتمادهم غالباً على المهربين، وهو ما يدفع بالدول إلى اتخاذ إجراءاتٍ أكثر صرامة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، نشر ائتلاف من جماعات حقوق الإنسان قائمةً بأسماء 33293 شخصاً ماتوا منذ عام 1993 نتيجة “العسكرة، وقوانين اللجوء، وسياسات الاعتقال والترحيل” في أوروبا.

لكنَّ أوروبا استمرت في محاولة دفع آلاف المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون الوصول إلى الشواطئ الأوروبية بعيداً عن القارة.  وأدى اتفاقٌ مع تركيا أُبرِمَ في مارس/آذار 2016 إلى تقليص حركة السوريين نحو أوروبا، رُغم أنَّ أكثر من 12 مليون سوري ما زالوا نازحين بسبب الحرب -5 ملايين منهم خارج وطنهم- وما زال الكثيرون بحاجةٍ إلى مساعداتٍ إنسانية عاجلة. وحتى مع ازدياد خطورة الأوضاع في أفغانستان، تستمر الحكومات الأوروبية في محاولاتها لترحيل العديد من الأفغان إلى كابول. ولوقف الهجرة غير المرغوب فيها من دول إفريقيا جنوب الصحراء، حاولت أوروبا إبرام صفقاتٍ لوقف طرق الاتجار بالبشر التي تمر عبر الصحراء وشمال إفريقيا.

وكان من ذلك قمع إيطاليا لمنظماتٍ غير حكومية تعمل في مجال الإنقاذ البحري، ودفع المال لميليشياتٍ في ليبيا، حتى مع توفر أدلة على التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز الليبية. وعقد الاتحاد الأوروبي صفقاتٍ مع الديكتاتورية القمعية السودانية. وفي النيجر، إحدى أفقر دول العالم، غمرت الأموال والقوات والدبلوماسيون الأوروبيون مدينة أغاديز الصحراوية، في محاولةٍ لوضع حد لتجارة التهريب. وسيتأثر مئات الآلاف من الأفراد المعرضين للخطر بشكلٍ مباشر بهذه السياسات الجديدة.

كثيراً ما نجد تشجيعاً على التفكير في “حلولٍ” للأزمة، ولكن لا سبيل إلى نهايةٍ فعالة لها في الحقيقة. فما دامت الحروب مستمرة – حروبٌ بدأتها في بعض الأحيان أو انضمت إليها الدول الأوروبية، أو تغذيها مبيعاتها من الأسلحة- سيستمر الناس في الفرار منها. وسيستمر آخرون في محاولة الهجرة حتى لو لم ترغب الدول بذلك. لكنَّ جهود حكوماتنا لوقف هذه الهجرة يمكن أن تؤدي في النهاية إلى خلق أو تفاقم المشاكل ذاتها التي تزعم حلها. والقرارات الرامية إلى زيادة مراقبة الهجرة التي نتخذها في أوقات الأزمات، أو استجابةً لضغوط وسائل الإعلام، قد تكون لها آثارٌ عميقة وطويلة الأمد، مثل معاملة مواطني فضيحة ويندراش في المملكة المتحدة، وآلاف اللاجئين الذين يقبعون في معسكراتٍ قذرة في جزر بحر إيجة  باليونان.

ولا تقتصر الأزمة على حركة اللاجئين فحسب، بل على الأنظمة الحدودية المصممة لإبقائهم خارجها. والأزمة ما تزال قائمة.

الخرافة الثانية: يمكننا بكفاءة فصل أزمة “اللاجئين” عن “المهاجرين لأسبابٍ اقتصادية”

معظمنا مهاجرون لأسبابٍ اقتصادية، حتى لو كانت الهجرة داخل حدود البلد الواحد، لكنَّ هذا المصطلح اتخذ معنى جديداً مهيناً منذ أزمة اللاجئين. وغالباً ما يُستَخدَم بالطريقة نفسها التي شاعت في الماضي بالصحف البريطانية الشعبية لوصف طالبي اللجوء الكاذبين، للإيحاء بأنَّهم يحاولون استغلال النظام، وأنَّ وجودهم هو سبب المشاكل على الحدود، وأنَّه إذا تمكنا فقط من استبعادهم من بين اللاجئين، سنقضي على الفوضى. وفي الواقع، تاريخ الهجرة هو تاريخ من الضوابط على حركة الجميع عدا النخبة الغنية.

ففي الماضي، سعت الدول لتقييد حركة سكانها من خلال العبودية أو القنانة، أو من خلال القوانين الضعيفة وقوانين التشرد. واليوم، أصبح الحق في التنقل بحرية داخل أراضي بلدٍ ما راسخاً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. لكنَّ معظمنا يعتبر هذا الحق من المُسلَّمات، رُغم حداثته نسبياً.

والآن، وبدلاً من ذلك تخضع حركة الأشخاص عبر الحدود الدولية لتنظيمٍ ورقابة صارمين. وجديرٌ بالذكر أنَّ إجمالي عدد المهاجرين الدوليين -أياً كان نوعهم- بالنسبة لسكان العالم ظل ثابتاً نسبياً: حوالي 3٪ منذ عام 1960، وفقاً لعالم الاجتماع هاين دي هاس.

وقد يبدو هذا مفاجئاً في عصرٍ أصبح فيه تنقل البضائع والاتصالات وفئاتٍ معينة من الناس أكثر سهولة من أي وقتٍ مضى، لكنَّ العولمة عمليةٌ ظالمة إلى حدٍ كبير. فرُغم  أنَّ نسبة المهاجرين لم تتزايد بشكلٍ كبير، تغير منبع الهجرة واتجاهها: يشير بحثٌ أعده دي هاس وماتياس تشايكا إلى أنَّ الناس يتركون بلداناً أكثر بكثير من أي وقتٍ مضى، ويتجهون إلى وجهاتٍ أقل بكثير. فهم يذهبون حيثُ تركزت السلطة والثروة. وتمثل أوروبا وشمال غرب أوروبا على وجه التحديد إحدى هذه الوجهات.

وهي ليست الوجهة الوحيدة بأي حال من الأحوال، فمعظم الهجرة الإفريقية، على سبيل المثال، تقع داخل إفريقيا. ومعظم الهجرة إلى أوروبا تحدث بشكلٍ قانوني: فحوالي 90٪ من المهاجرين يدخلون أوروبا بصورةٍ قانونية. لكنَّ الدول الأكثر ثراءً تبذل جهوداً متزايدة في صرامتها لإبعاد المهاجرين غير الشرعيين: ففي عام 1990، ووفقاً لبحثٍ أجراه الجغرافي ريس جونز، كان لدى 15 بلداً جدرانٌ أو أسوار على حدودها، وبحلول بداية عام 2016، ارتفع هذا العدد إلى 70 بلداً.

يهدف القانون الدولي إلى حماية اللاجئين مع السماح للدول بالسيطرة على حدودها، لكنَّ تعريف وضع “اللاجئ” هو أمرٌ سياسي، خاضع لجدالٍ مستمر حول من يستحقه ومن ليس أهلاً له. ولهذا المصطلح معنى قانوني يصف الشخص الذي يحق له اللجوء بموجب القانون الدولي، ومعنى عام يصف الشخص الذي فر من وطنه.

بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951، يُعرَّف اللاجئ على أنَّه من غادر بلده بسبب “خوفٍ له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه، أو دينه، أو جنسيته، أو انتمائه إلى فئةٍ اجتماعية معينة، أو آرائه السياسية”. في البداية، كانت الاتفاقية تنطبق فقط على الأوروبيين، ولم تشمل كل من فر من منطقة حرب. ولم يُوفَّر هذا النوع من الحماية إلا بعد ضغوطٍ من دول أفريقية مستقلة حديثاً في ستينيات القرن العشرين، ودول أميركا اللاتينية في ثمانينيات القرن العشرين. أما من أُجبروا على الفرار من بلادهم بسبب كارثةٍ اقتصادية أو تغيرٍ مناخي مأساوي فلم تشملهم الاتفاقية أبداً. وإلى اليوم، تترك الاتفاقية السلطة بشكلٍ رئيسي في أيدي الدول القومية. وهي لا تُلزم الموقعين بمنح أي شخص حق اللجوء، لكن فقط النظر في طلبه وعدم إعادته مرةً أخرى إلى بلدٍ قد يتعرض فيه للخطر.

في القرن الواحد والعشرين، لم تعد الحدود مجرد خطوط على خريطة. بل نظامٍ لتصفية البشر يمتد من حواف إقليمٍ ما وصولاً  لوسطه، يؤثر على أولئك الموجودين بالفعل داخل البلد، كما عرفنا منذ كُشِفَ عن سياسة “البيئة العدائية” الخاصة برئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. يتعرض طالبي اللجوء لعملية اختيار معقدة وعنيفة في كثيرٍ من الأحيان. وبمجرد عبورهم حدود أوروبا، تُقيَّد حركتهم: فيُحتجزون أو يُعزلون في أماكن بعيدة عن مراكز المدن. ويحرمون أو يحد للغاية من حقهم في العمل أو في الحصول على الضمان الاجتماعي.

وفي الوقت الذي تُقيَّم فيه طلباتهم، وهي عملية عادةً ما تكون مبهمة وعدائية ومتناقضة، يعيشون في خطر تقليص الحريات التي يتمتعون بها في أي لحظة. ويحاول النظام وضعهم في فئات -لاجئ أو مهاجر اقتصادي، قانوني أو غير قانوني، مستحق أو غير مستحق- لا تتناسب دائماً مع واقع حياتهم. وإذا ما تعطل النظام، يُلقَى بهم في منطقةٍ رمادية قانونياً وأخلاقياً قد تدوم لأشهر عديدة أو حتى لسنوات. وكما قال سيزر، وهو شاب من مالي قابلته أثناء عملي في صقلية: “الأمر ليس كما لو أنَّ الناس مكتوبٌ على جبينهم أنهم كانوا لاجئين أو مهاجرين لأسبابٍ اقتصادية”.

الخرافة الثالثة: رواية القصص الإنسانية كافية لتغيير آراء الناس

التعاطف مهم، لكن دائماً ما تكون له حدود، ولا يجب أن يكون شرطاً مسبقاً لحصول الناس على حقوقهم.

وصل سيزر إلى صقلية في أواخر عام 2014، بعد أن أنقذته البحرية الإيطالية من قارب تهريب جرفته المياه في البحر المتوسط. وعندما وصل، كانت صقلية تحوز انتباه وسائل الإعلام حول العالم، إذ أراد الصحفيون أن يعرفوا قصص الوافدين مثل سيزر: من أين جاءوا، وما شكل الرحلات التي خاضوها، وما أسوأ الأمور التي واجهوها؟ لكن بحلول الصيف التالي، اتجه هذا الانتباه لوجهةٍ أخرى. ففي أواخر أغسطس/آب 2015، عندما اتخذت أعدادٌ غير مسبوقة من اللاجئين من سوريا وغيرها من المناطق في الشرق الأوسط المسار الطويل عبر البلقان، كنتُ أزور سيزر في منزله في صقلية.

وبينما كنا نشاهد التلفاز، الذي كان يعرض مشاهد تتكرر لأشخاصٍ يتصايحون لاستقلال القطارات إلى ألمانيا في محطة كيليتي في بودابست، أومأ سيزر باتجاه الشاشة، وقال: “هل ترى؟ لم تعد الكاميرات تأتي إلى هنا، لأنَّ السود فقط هم من يصلون إلى صقلية الآن”. كان يشعر بشدة أنَّ من هم مثله قد تُرِكُوا وحدهم، تخلى عنهم الإعلام، ونظام اللجوء الذي يستغرق سنواتٍ للنظر في طلباتهم.

عندما تكون هناك كارثة كبرى، رد فعل الصحفيين يكون دائماً الإسراع والبحث عن أهم القصص. وهذا مفهوم، لأنَّه يحقق هدفاً مهماً: تعريف الناس بماهية المشكلة، ومن يتأثر بها، وماهية المساعدات المطلوبة. وتتبع وكالات المساعدات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية عادةً نفس النهج في رسائلها العامة. والفكرة هي أنَّ القصص الإنسانية الواضحة التي تركز على تجارب أفرادٍ معرضين للخطر، الذين عادةً يكونون من الأطفال، تستثير تعاطف الجمهور الذي لا يركز على الكارثة.

لكنَّ هذه القصص ربما أيضاً تُنفِّر الناس من القضية. إذا قلتُ لكم إنَّ سيزر قضى 18 شهراً بين عصابات تهريب البشر، تسلمه عصابةٌ للأخرى في الجزائر وليبيا، وخلال هذه الفترة تعرض للتعذيب وأُجبر على العمل كالعبيد، فهل يساعد ذلك على استيعاب من يكون، ولماذا لجأ إلى هذه الخيارات، ولا سيما إذا كان ذلك هو كل ما تعرفه عن حياته؟ وماذا إذا كان لمئات الناس قصصٌ مشابهة؟ في مرحلةٍ ما، نشعر بأنَّنا مغمورون تحت وطأة هذه القصص، ونريد ألا نولي مزيداً من الاهتمام. حتى أنَّ بعضنا قد يبدأ في أن يشعر بالعداء: لماذا يخبروننا باستمرار بأن نشعر بالحزن من أجل هؤلاء الغرباء؟

والأكثر من هذا أنَّ التغطيات الإعلامية التي تقفز من بؤرةٍ متوترة في أزمة إلى أخرى تتجاهل عادةً الأسباب الكامنة: على سبيل المثال، النظام الحدودي المعقد لأوروبا. ويمكن أن يُغذَّى شعورٌ بالذعر دون قصد من محاولاتٍ حسنة النية لنشر إحصائيات ومقاطع صوتية درامية. وربما تستثير فكرة “الأزمة العالمية للاجئين” التعاطف بين البعض، إلا أنَّها لدى آخرين قد تؤدي إلى زيادة الشعور بأنَّنا، حسب كلمات حملة مغادرة الاتحاد الأوروبي لحزب استقلال المملكة المتحدة، قد وصلنا إلى “نقطة انهيار”.

وتقول مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن مزيداً من الأشخاص يُشردون بسبب الصراع الدائر في العالم اليوم أكثر من أي مرحلة منذ الحرب العالمية الثانية. وهذه حقيقة، إذ يُقدَّر عدد النازحين في الوقت الحالي بحوالي 66 مليون شخص، إما داخل بلادهم أو خارجها. لكنَّ 86% من هذا العدد يبقى في الدول النامية، وليس في المناطق الغنية مثل أوروبا. وبالرغم من الصراعات الحديثة، حسبما يقول دي هاس، يمثل اللاجئين 0.3% من سكان العالم، وهي نسبة صغيرة ومستقرة نسبياً. وتكمن المشكلة في الموارد والسياسة، وليس في الأعداد الهائلة.

إذا أردنا استيعاب السبب في أنَّ بعض الناس يستمرون في الانتقال برغم العوائق التي توضع أمامهم، نحتاج إذاً أن نرى الشخص كله، بدلاً من أن نرى الجوانب السيئة فقط من موقفه أو أقسى التجارب الصادمة التي عاشها. لقد قابلتُ عدداً من الأشخاص الذين خاضوا رحلاتٍ مشابهة لرحلة سيزر، وكلٌ منهم يحاول بطرقٍ مختلفة جداً أن يسيطر على حياته ويتخذ قراراتٍ بشأن مستقبله. أخبرني سيزر أنَّه يريد فقط أن يجد وظيفةً مملة وأن “ينسَى الماضي”. وعلى العكس من هذا، قالت فاطمة، وهي نيجيرية انتهى بها الحال أيضاً في صقلية، إنَّها عقدت “اتفاقاً مع الله” عندما صعدت على متن قاربٍ مطاطي على الساحل الليبي، وأنَّها تريد أن تكرس باقي حياتها لقرع ناقوس الخطر بشأن المتاجرة بالنساء. وهرب أزاد من سوريا لأنَّه، برغم تعاطفه مع الثورة ضد بشار الأسد وفخره بهويته الكردية، لا يريد بكل بساطة أن يقتل غيره من البشر.

من المهم أيضاً إدراك أنَّ القصص التي نستهلكها تكون في الغالب سلعاً أنتجتها شركات تستهدف تحقيق الربح. ومثلما هو الحال مع السلع الأخرى، يكون الإنتاج والقيمة والطلب مدفوعين بقوى السوق. يمكن أن يؤذي هذا من هم في خضم هذه القصص، ويشوه استيعابنا لأزمةٍ ما، بل ويتسبب في شعورٍ بالذعر، وهو ما يستثير بدوره الاستجابات المذعورة من جانب السلطات.

الخرافة الرابعة: الأزمة تشكل تهديداً للقيم الأوروبية

شهدت الأعوام الأخيرة حالةً ثنائية من الاحتجاج بـ”القيم الأوروبية”، إما من أجل دعم اللاجئين والمهاجرين أو للهجوم عليهم. على جانبٍ من هذه الثنائية، وضع ديماغوغيون، من أمثال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أنفسهم في صورة المدافع عن الحضارة الأوروبية المسيحية، وسنَّ سياساتٍ مناهضة للمهاجرين لحماية أوروبا من اجتياح حشود المسلمين.

وعلى الجانب الآخر، ناشد المنادون بحقوق الإنسان مراراً وتكراراً تحقيق صورةٍ لأوروبا تشبه ما رسمه خوسيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية في 2012، عندما حاز جائزة نوبل للسلام. قال باروسو في خطاب تسلم الجائزة: “نظراً لأنَّنا مجتمع يتكون من بلادٍ تجاوزت الحرب وحاربت الشمولية، سوف نقف دائماً بجوار هؤلاء الذين يسعون وراء السلام والكرامة الإنسانية”.

كلتا الرؤيتين خاطئتان. فالأولى تحاول أن تمحو حقيقة أنَّ أوروبا قارة متنوعة، كانت التقاليد المسيحية والإسلامية واليهودية والعلمانية حاضرةً فيها لقرونٍ من الزمن. وتصاحب رؤية أوربان رؤيةٌ ليبرالية شبيهة، تنتشر بصورةٍ خاصة في غرب أوروبا، ترى أنَّ المهاجرين المسلمين يشكلون تهديداً للتقاليد “الأوروبية” المتعلقة بالتسامح والحرية والديمقراطية: وتتجاهل هذه أيضاً حقيقةً تفيد بأنَّ هذه الأماكن التي توجد فيها هذه المبادئ شهدت كفاحاً من أجل نيلها، وكان هذا الكفاح في المعتاد ضد المقاومة العنيفة للنخب الأوروبية. وليس من قبيل المفارقة كذلك أنَّ عدداً كبيراً من اللاجئين الذين يصلون إلى الشواطئ الأوروبية اليوم كانوا منخرطين في نضالاتٍ مشابهة من أجل الحقوق والمساواة في أوطانهم.

وتُصوِّر الرؤية الثانية أوروبا على أنَّها شعلة الأمل لباقي العالم. تمتلك أوروبا بكل تأكيد نفوذاً هائلاً للتأثير على العالم وتغييره للأفضل أو الأسوأ، فضلاً عن أنَّ الضغط على ساستنا للارتقاء إلى مستوى هذه القيم والتطلعات هو جهدٌ يستحق العناء. إلا أنَّ هذه التطلعات لن تتحقق إذا تجاهلنا الحقيقة التي تفيد بأنَّه في الوقت الذي تجاوزت فيه دول أوروبا الحرب وكافحت الشمولية، أصبحت نفس هذه الدول غنيةً وقوية عبر الغزو وحكم الإمبراطوريات الضخمة، وهو النهج الذي بُرِّرَ جزئياً بفكرة سمو العرق الأوروبي. والوحدة الأوروبية، في وثائقها التأسيسية، كانت تُرى باعتبارها طريقةً للحفاظ على النفوذ الإمبريالي، وكذلك لمنع حدوث صراعٍ مستقبلي في أوروبا.

وبدلاً من النظر إلى العنصرية الأوروبية على أنَّها شيءٌ من الماضي، يُعدُّ الاعتراف بوجودها ضرورياً إذا أردنا استيعاب أزمة اللاجئين وبعض الاستجابات تجاهها. فآلاف الأشخاص القادمين من المستعمرات الأوروبية السابقة، الذين عُومِلَ أجدادهم من جانب حكامهم الأوروبيين باعتبارهم دون البشر، غرقوا في البحر المتوسط في العقدين الماضيين، غير أنَّ هذه القضية لم تصبح “أزمة” إلا عندما أصبح حجم الكارثة كبيراً لدرجة يستحيل تجاهلها من جانب الأوروبيين.

وفي عام 2015، اقترح مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بشؤون الهجرة حلين كان من الممكن أن يحققا الكثير لتخفيف حدة الأزمة: إعادة توطين كبرى على المستوى الدولي للاجئي سوريا، ومشروع إصدار تأشيرة عمل مؤقتة كي يستطيع المهاجرون لأسبابٍ اقتصادية أن يأتوا ويذهبوا دون أن يقعوا في شرك الطرق السرية المميتة. والسبب في أنَّ هذا لم يحدث كامنٌ في أنَّ الحكومات الأوروبية لا تريد تحقيقه بكل بساطة. إذ توجد ضغوطاتٌ سياسية محلية داخل أوروبا، وأزمة ذات نطاق أوسع في النظام الدولي، الذي يُفترض أنَّه من خلاله تُحَل الصراعات والاختلافات بين الدول.

وحتى في هذه اللحظة، تُصنَّف المعاناة في الجدالات التي تتناول الأزمة حسب تسلسلٍ هرمي، يُستبعد فيه نضال الشعوب أو يجري تجاهله استناداً إلى خلفياتها، ولا يُناقِش كيف أنَّ أوروبا ربما تكون قد ساهمت في صنع أوضاع البلاد التي جاء منها هؤلاء المهاجرون، إما تاريخياً أو عبر السياسات العسكرية والاقتصادية للحكومات الحالية. وعندما تندلع صراعاتٌ محلية في الدول الأوروبية حول اللاجئين الذين وصلوا إليها مؤخراً، ينتقل المُعلِّقون بسلاسة من حادثٍ يحتاج إلى استجابةٍ معتبرة، إلى إعلان وجود تهديدٍ وجودي يواجه أوروبا من الأقلية المسلمة فيها. وعلى الطرف الأقصى من هذا الجدال، يبدو هذا فكراً مستنداً لقيم الإبادة الجماعية، التي عرفتها أوروبا في ماضيها.

لا يجب علينا قبول هذا. كان أي نقاش أصدق بشأن الأزمة سينطوي على التعامل مع ماضينا، وستكون بدايةً جيدة أن نعترف بأنَّ عدداً كبيراً من المهاجرين الذين يخوضون رحلاتٍ خطيرة للقدوم إلى أوروبا اليوم يعتبرون أوروبا بالفعل جزءاً من حياتهم. أخبرتني ذات مرة مجموعةٌ من الرجال القادمين من غرب إفريقيا، تقطعت بهم السبل ليستقروا في مركز استقبال جنوب إيطاليا: “إنَّنا نتذكر الماضي، ونتذكر الاسترقاق. لقد بدأوا الحربين العالميتين، وقاتلنا من أجلهم”. لا يتعلق هذا بتوزيع اللوم أو الذنب. بل يتعلق بإدراك أنَّ العالم ليس مُقسَّماً ببساطة إلى ما هو “أوروبي” وما هو “غير أوروبي”. ينطبق هذا على بريطانيا مثلما ينطبق على باقي أوروبا، حتى إذا غادرت بريطانيا الاتحاد السياسي. أو كما تقول زينب، التي هربت من تنظيم داعش في العراق وجلبت معها أطفالها الثلاثة إلى بريطانيا عبر بلدة كاليه شمال فرنسا، مختبئين في عددٍ من الشاحنات: “أتفاجأ دائماً من الناس عندما يسألونني: لماذا يأتي اللاجئون إلى بريطانيا؟ أودُ أن أجيبهم: ألم تغزُ بريطانيا وأميركا العراق؟ أريد أن يشاهد الناس المعاناة التي مر بها السكان في هذه المناطق. إنَّني أتمنى حقاً أن يرى الناس هذه الصلة”.

الخرافة الخامسة: التاريخ يُكرر نفسه ولا يمكننا فعل شيء حيال ذلك

لن ينسى الضمير الأوروبي أبداً الهولوكوست. وتجلى حضوره في الوعي الأوروبي في مجموعةٍ من الاستجابات على أزمة اللاجئين، بدايةً من التصريحات السياسية الكبرى حول واجب أوروبا في التصرف حيال الأزمة، إلى استدعاء ذكريات جهود حملة “Kindertransport” أو “نقل الأطفال” في نقاش بريطانيا حول اللاجئين الأطفال، إلى قصصٍ حول الأوروبيين اليهود المُسنين الذين يساعدون المُهاجرين النازحين هذه الأيام لعبور الحدود. لكنَّه يمكن أن يقُودنا إلى تفسيرٍ للتاريخ مبني على حوادث فردية كما في فيلم Schindler’s List، أي حوادث إنقاذ درامية تساعدنا إمَّا في تجنب كارثة، أو تعفينا من جريمةٍ أكبر.

الوعي بهذا التاريخ مُهم، ويمكن أن يحفزنا على التحرك، ولكن هناك اختلافات كبيرة عن الماضي. أُسِّسَ نظامنا لحماية اللاجئين في المقام الأول للتعامل مع الاضطرابات السكانية الضخمة في أوروبا التي تسببت فيها الحربان العالميتان. والآن وقد أصبح الجزء الأكبر من هذا الأمر في الماضي، يُنظر إلى هذه الاضطرابات عموماً على أنَّها قدمت درساً أخلاقياً، يعد واحداً من بين طرقٍ عديدة تُعلِن بها أوروبا أنَّها لن تسمح لكارثةً مماثلة بالتكرار مرةً أخرى. ولكن على الرغم من أن أزمة النزوح في أوروبا كانت لها بداية ونهاية، إلا أنَّ النزوح مُستمر في معظم أنحاء العالم، ويبدو أنَّ أسبابه أكثر تعقيداً، وأنَّ الأشخاص الذين في خضمها أقل أهمية. وفي كثيرٍ من الأحيان، لا يُذكَرون على الإطلاق، ويُعتبرون مجرد غمام يتخلل الرؤية الأوروبية بين حينٍ وآخر.

إلا أنَّ تولية اهتمامٍ لهذا الشأن يُعد أمراً حيوياً، وليس هذا فقط لأسبابٍ إنسانية، ولكن لأنَّ النزوح يُشير إلى ضعفٍ خطير في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية. فعلى الرغم من أنَّنا أصبحنا نعتبر بعض الحقوق أساسية وعالمية، إلا أنَّ هذه الحقوق مضمونة فقط من خلال العضوية في دولةٍ قومية. وفي كتابها الذي صدر عام 1951 “The Origins of Totalitarianism”، قالت الباحثة في النظريات السياسية حنا آرندت إنَّ عدم قدرة الدول على ضمان حقوق النازحين في أوروبا بين الحروب العالمية ساعد على خلق الظروف المناسبة لظهور الديكتاتورية. فقد أدى انعدام الجنسية إلى اعتبار الأشخاص خارجين على القانون: اضطروا إلى كسر القوانين من أجل أن يعيشوا، وكانوا عرضةً لأحكامٍ بالسجن دون ارتكاب جريمة.

وكونك لاجئاً يعني عدم تنفيذ ما تمليه القوانين، وإذا فعلت ذلك، فعلى الأرجح كنت ستبقى في وطنك حتى تُقتل. وستستمر في كسر القواعد، وقول الأكاذيب، وإخفاء نفسك، حتى بعد ابتعادك عن الخطر المُباشر، لأنَّ هذه هي الطريقة التي تعيش بها في نظامٍ عدائي.

إلا أنَّ وجود ملايين النازحين أصبح أيضاً أداةً قوية لتلك الأنظمة التي أرادت تقويض فكرة حقوق الإنسان العالمية. فأصبح بإمكانها أن تقول: “انظروا، لا يوجد شيء من هذا القبيل، أنت تحصل على الحقوق فقط من خلال كونك جزءاً من الدولة”. وبدلاً من حل هذه المشكلة، قمعت الحكومات المهاجرين غير المرغوب فيهم، وأعطت قوات الشرطة صلاحياتٍ واسعة استُخدمت في نهاية الأمر ضد مواطنيها أنفسهم. وتقول حنا إنَّ هذا حدث في الديمقراطيات الأوروبية الغربية، وليس فقط في الدول الاستبدادية.

وهذا يشبه إلى حدٍ كبير ومقلق السلطات الجديدة والبنى التحتية الأمنية التي تضعها الحكومات الأوروبية، بدايةً من “البيئة المُعادية” البريطانية والقوانين التي تُجرم المواطنين الأوروبيين الذين يساعدون المهاجرين، وصولاً إلى “مرافق الإقامة المؤقتة” التي اقترحها وزير الداخلية الإيطالي الجديد اليميني كجزءٍ من خطةٍ لزيادة عمليات الترحيل. وحذرت حنا من أنَّه بعيداً عن صورة البربرية والهمجية التي يُصوَّر بها النازحون في أغلب الأحيان، إذ يُصوَّرون على أنَّهم كتلة من “الأشخاص غير الشرعيين” الذين يُهددون أمن وهوية الأوروبيين، يبدو أنَّ الأشخاص المُجردين من حقوقهم “هم أول علامات انحسار الحضارة”.

إلا أنَّ حنا تُشير إلى تهديدٍ يمكن تجنبه. والأهم من ذلك، أنَّ الحكومات تستجيب لضغوط جمهور الناخبين. فعلى سبيل المثال، في خريف عام 2015، ضغط غضب الرأي العام تجاه صورة طفلٍ صغير غارق اسمه آلان كردي، التي انتشرت في وسائل الإعلام الدولية، على الحكومة البريطانية لتوسيع مُخططٍ لإعادة توطين اللاجئين السوريين.

يجب أن نكون حذرين من الطرق التي يحاول بها بعض السياسيين إقناع الناس بالتخلي عن الحقوق وسياسات الحماية الموجودة من أجل مصلحة الجميع. وأي شخصٍ مسؤول يقول: “يجب علينا أن نعتني بأنفسنا قبل الاعتناء باللاجئين” على الأرجح ليس مهتماً بالقيام بالأمرين من الأساس. وعلينا أن نعترف بأهمية العمل الجماعي. لن تكون هناك “حلول” لهذه الأزمة، أي سياسةٍ واحدة أو أكثر تجعل اللاجئين يختفون.

الحروب تُنتج لاجئين. وسيستمر الناس في التحرك لتحسين نوعية حياتهم، ليس فقط بسبب الفقر المدقع، ولكن لأنَّهم مُرتبطون بالثقافة العالمية وشبكات الاتصال العالمية. وتغير المناخ لديه القدرة على خلق نزوحٍ أكبر مما شهدناه في السنوات الأخيرة، وكما هو الحال مع لاجئي الحروب، على الأرجح ستكون الدول الفقيرة هي صاحبة النصيب الأكبر من الأزمة. لا يمكننا التحكم في ما إذا كانت هذه الأشياء ستحدث أم لا، ما يهم هو كيف سنستجيب، وما إذا كنا سنُكرر أخطاء هذه الأزمة.

لا يجب عليك أن تجعل تفكيرك محدوداً بالفئات الموجودة حالياً. ومن الممكن الدفاع عن الحمايات التي يوفرها النظام الحالي لقانون اللاجئين، مع الاعتراف بقصورها. وقد يحاول السياسيون التمييز بين اللاجئين “الحقيقيين” والمهاجرين الآخرين غير الشرعيين، وقد يسند اقتصادنا قيماً نسبية لحياة الناس استناداً إلى فائدتهم كعمال، ولكن هذا لا يعني أنَّنا يجب أن نقبل أن يُعامل أحد هؤلاء اللاجئين كأنَّه دون البشر، أو أن نعتبر تجاربهم أقل واقعية بأي شكلٍ من الأشكال. يُوفر قانون اللاجئين حمايةً أساسية لبعض أنواع النازحين، ولكن ليس جميعهم. ولأنَّه وُضِعَ في عالمٍ تتوزع فيه القوة والثروة بشكلٍ غير متساوٍ، عكس هذا القانون دائماً مخاوف الأقوياء. وكلما ميزنا بصورةٍ أكثر صرامة بين المستحقين وغير المستحقين، زاد احتمال قبولنا للعنف الذي يقع باسمنا.

طوال عام 2015، ظللتُ أسمع وأقرأ عن اللاجئين الذين “يحلمون” بالسفر إلى أوروبا. وربما هذه هي القضية؛ فجميعنا في بعض الأحيان يحركنا حلمٌ أو مثلٌ أعلى بعينه. إلا أنَّ هذا الأمر ينطوي على نوعٍ من السذاجة بالنسبة لنا، أن ينجذب شخصٌ لوهمٍ لا نُشاركه في رؤيته. هذا الوهم يُقلل من شأنهم، بينما في نفس الوقت يُعظم من شأننا نحن. وبالنسبة للجمهور الأوروبي، والجماهير المُمتدة في أجزاءٍ أخرى غنية من العالم، فهو أمرٌ مُطمئن: إنَّهم يحلمون بامتلاك حياةٍ مثل حياتنا، ومن يستطيع أن يلومهم على رؤية وجودنا أمراً مثالياً؟

ومع ذلك ، من المدهش كيف أنَّ كلمة “حلم” تبدو وكأنَّها تظهر فجأةً بدلاً من كلماتٍ تنطوي على قدرٍ أقل من الراحة مثل “الرغبة” و”الحاجة”. لقد وصل هذا الشخص إلى أوروبا ويريد الذهاب إلى بريطانيا، حيثُ يعيش عمه. ألم تكن لتُريد ذلك أيضاً؟ يحتاج هذا الشخص للوصول إلى أوروبا للعمل. لماذا لا يكسبون لقمة العيش في وطنهم؟ لماذا يجب على أي شخص تحمل هذه الأوضاع؟ في مصلحة من يصب ضبط حركتهم؟ وما مدى احتمالية أن تتصرف الدول التي تُعامل المهاجرين بهذه القسوة بالمثل تجاه مواطنيها؟ أعتقد أنَّ هذه هي نوعية الأسئلة التي يجب علينا طرحها.

 

 

 

 

 

 

 

عربي بوست