يجدر البدء بالسطر الأخير: إيران لم تستثمر في سوريا مئات الملايين وربما مليارات الدولارات، لم تفقد في المعارك على أراضيها آلاف المقاتلين من رجال الحرس الثوري والجيش الايراني النظامي، بل ولم تدفع اليها بعشرات آلاف المجندين الشيعة في الميليشيات التابعة لها والتي تدرب وتمول فقط كي تنصرف من سوريا هكذا فجأة، لأن بوتين أو الأسد يطلبان ذلك منها بلباقة.
الأهم هو أنه بخلاف التقارير في وسائل الإعلام الاسرائيلية، فلا بوتين ولا الاسد طلبا على الاطلاق من الايرانيين الرحيل. الحقيقة هي أن الرئيس الروسي دعا الى خروج كل القوات الاجنبية من على الاراضي السورية. ولكنه كان يقصد أولاً وقبل كل شيء القوات الامريكية التي لا تزال تسيطر على ربع الاراضي السورية، ولا سيما في المناطق الكردية في شمال شرق الدولة واضافة الى ذلك، تمنح الرعاية للثوار في جنوب الدولة أيضاً. كما كان الروس يرغبون أيضاً في أن ينسحب الاتراك من المناطق التي يحتجزونها في شمال سوريا.
إيران ليست على بؤرة الاستهداف الروسية، إذ أن موسكو لا ترى فيها منافسا أو خصما (على الاقل، حاليا). إيران هي ببساطة وسيلة الدفع التي بواسطتها يسعى الروس الى تحقيق أهدافهم في سوريا.
يفهم الروس مخاوف إسرائيل من إيران. كما انهم لا يريدون أن «يجن جنون» اسرائيل فتمس بنظام الاسد، الذي كادوا يجلبونه الى خط النهاية والنصر. لهذا السبب فانهم مستعدون لأن يساعدوا في الجهود لسحب القوات الايرانية عن حدود الجولان، وهو المطلب الذي بتقديرهم يمكن للايرانيين أن يقبلوه، مثابة تنازل مؤقت ومحلي في الطريق الى الهدف الاكبر لطهران، تثبيت تواجد في سوريا.
ولأجل التسجيل فقط، فإن الروس تعهدوا من قبل في اتفاق وقعوه مع الامريكيين قبل نصف سنة باخلاء الايرانيين من الحدود مع اسرائيل، وبالمناسبة، منع هجمات النظام السوري على الثوار في جنوب سوريا أيضاً. غير ان الايرانيين لم يتركوا جنوب سوريا، والآن يستعد نظام بشار الاسد لمهاجمة الثوار. ما يشغل البال هو ليس الاستعداد الروسي لالقاء الاتفاق الموقع في سلة المهملات، على اعتبار ان لا حاجة له، بل الاستعداد الامريكي «للسير في التيار» مع خرق الاتفاق الذي أعطوه رعايتهم.
لا يعني الامر انه لا توجد بين ايران وروسيا منافسة خفية بل وتوتر بنيوي: كلتاهما تسعيان الى السيطرة في سوريا بعد أن تنتهي الحرب الاهلية. ينبغي الافتراض بأن الاسد أيضاً سيسعى في المدى البعيد الى التخلص من التواجد والتدخل المتغلغلين للايرانيين في شؤونه الداخلية، والذي يهدد بالتسلل الى مؤسسات الحكم، الجيش وحتى الطائفة العلوية. كما لن يرغب الاسد في أن يورطه الايرانيون في مواجهة مع إسرائيل. صحيح أنه يقول ان كل حياته مرت في ظل «العدوان الاسرائيلي» ولكن ليس مثله من يعرف بأن ليست إسرائيل هي العدو أو المشكلة المركزية التي يواجهها.
فلننتظر المشكلة الى أن تقع. حاليا، وبالتأكيد في الاسابيع وفي الاشهر القادمة، يحتاج سواء الاسد أم بوتين للايرانيين. إذ إلى جانب الطائرات الروسية في الجو، فإن قوات إيران وحزب الله جلبت النصر وهي تحافظ على تفوق نظام بشار على الارض.
كقاعدة، مشكلة روسيا – والاحرى المنافسة، الخصومة او الحرب الباردة – هي مع الولايات المتحدة والغرب، وليس مع ايران. هذه الأخيرة تشكل في أيدي الروس أداة في صراعهم ضد الغرب ولا معنى للتخلي عنها. فهل فك الارتباط مع إيران سيجعل الأسد حبيب الأسرة الدولية ويفتح له الأبواب في واشنطن، بعد أن ذبح مئات الآلاف من أبناء شعبه، وهل إخراج إيران من سوريا سيمنح بوتين نقاطا في الصراع في اوكرانيا وفي شرق أوروبا، وفي أجزاء أخرى من العالم – حيال واشنطن وغرب أوروبا؟ واضح ان لا.
ما ينشأ عن ذلك هو أنه يمكن الوصول إلى تفاهمات هزيلة على إبعاد الإيرانيين عن الجبهة مع اسرائيل، التي ليس واضحا على الاطلاق إذا كانت للروس رغبة أو قدرة على تنفيذها. ولكن المعركة لدحر أقدام إيران عن سوريا لا تزال بعيدة عن النهاية.

 

 

 

 

اسرائيل اليوم 5/6/2018
ايال زيسر