يبدو الحديث عن السّيادة الوطنيّة ترفاً في ظل التّهديد القائم لوجود الدّولة السّورية وفق حدودها الدّوليّة المُعترف بها قبل عام 2011م، فلا معنى للسّيادة التي يتحدث عنها وزير الخارجية السّوري المعلم (سوريا دولة ذات سيادة وستقوم بالتعاون مع من تشاء في سبيل محاربة الإرهاب)، في ظل تشظي الوطن الواحد إلى كيانات أو تعرضه لاحتلالات من قبل دول عظمى، أيّاً كانت الذّرائع (الاستجابة للحكومة الشرعيّة، مكافحة الإرهاب.. إلخ). ولا يغدو الوطن وطناً إذا كان نصفُ أبنائه مهجّرين قسراً، في الوقت الذي تعمل حكومة البلد “الشّرعية”، وفق القوانين الدّوليّة، على منح شذّاذ الآفاق الجنسيّة السّورية لإسهاماتهم “الجليلة” في قتل وتعذيب وتهجير السّوريين!

لقد فضّل بشار الأسد تدمير سوريا وتهجير أهلها واستدعاء احتلالات الدنيا على الاستجابة لمطالب الشّعب السّوري بالحريّة والكرامة، ولو أدى هذا الاستدعاء لتقسيم سوريا وفق مصالح دول إقليميّة ودوليّة.

ويبدو بشار الأسد في تصريحه للقناة الروسية مؤخراً “سنسيطر على كل جزء من سوريا بما فيها المناطق التي تسيطر عليها قوّات سوريا الدّيمقراطيّة بوجود الأميركيين أو بعدمه”؛ منفصلاً عن الواقع البائس الذي صنعَه قمعُه الدّموي لثورة الشّعب السّوري. فالأسد أضعف من أن يشنّ حرباً، ولا سيما ضد الولايات المتّحدة، كما أنّه آخر من يحق له المطالبة بوحدة الأرض السورية وسيادتها، ولا سيما بعد أن غدا مندوباً سامياً لروسيا في سوريا. فقد أهدر الأسد السّيادة الوطنيّة لسوريا مبكراً عندما قمع شعبه بالحديد والنار، مستعيناً بقوًى أجنبيّة، ولم يتوان عن استخدام السّلاح الكيماوي الذي سلّمه للفرار من المحاسبة، بصفقة خيانة، مُجرّداً سوريا من سلاح ردع استراتيجي يُفترض أنه أُعد لمواجهة النووي الإسرائيلي.

وتتالت صفقات التّنازل التي أجاد الروسُ حبكها لشرعنة وتكريس احتلالهم لسوريا، وبدا واضحاً أن سوريا انتقلت من طور الحليف لروسيا إلى طور البلد المُحتَل من قبل روسيا. فالأسد يُستدعى لروسيا كجندي روسي وتُملى عليه الأوامر لينفذها دون نقاش، فيرسل سريعاً أسماء اللجنة الدّستورية بعد أن كرّر مراراً أنّ الدّستور السّوري يمثل السّيادة الوطنيّة ويُصاغ على الأرض السّورية من قبل السّوريين وحدهم، دون إملاءات خارجيّة.

ولعل اعتراف حكومة بشار الأسد باستقلال منطقتي أوسيتيا وأبخازيا عن جورجيا لا يدع مجالاً للشك بأنّ السّياستين الدّاخليّة والخارجيّة خاضعتان للاحتلال الرّوسي، ويظهر الأمر جليّاً في لقاء وزيري الدّفاع الرّوسي والإسرائيلي، فهما يقرران مصير الجنوب السّوري القريب من العاصمة دمشق، في الوقت الذي يتبجّح فيه الأسد بأنّه سيُحرّر كل سوريا، بما فيها الخاضعة للنفوذ الأمريكي. وما يثير السّخرية في تصريح الأسد أنّ قوّاته في شمال حلب تتعاون مع القوّات الكردية التي يتهمها بالخيانة والعمالة للولايات المتّحدة.

ثمّة معطيات كثيرة تثبت أنّ السّيادة السّورية مهدورة، وأنّ الاحتلال الروسي يتجذّر يوماً بعد آخر على الجغرافية السّورية. ومن المُؤلم أنّ الخيارات المُتاحة أمام السّوريين لاسترداد السّيادة وإزالة الاحتلال مُرّة ومحدودة، فالمقاومة العسكرية للمحتل الرّوسي بطريقة الجيوش النّظامية محكوم عليها بالفشل في ظل غياب كافة أنواع الدّعم إقليميّاً ودوليّاً لهذا الخيار، كما لا تسمح حالة الإنهاك التي وصل إليها السّوريون – على الأقل حالياً – بإيجاد مقاومة ناجعة، فالسّوريون يحتاجون فترة يلتقطون فيها أنفاسهم لتنظيم الصّفوف، تمهيداً لحراك عسكري مُقاوم.

ومن الخيارات المُرَّة التّعاون مع الأمريكان للحيلولة دون التغول الروسي الذي يسعى جاهداً لتكريس حكم الاستبداد “الأسد”؛ باعتباره الضّامن لاحتلاله.

وفي هذا السياق، يبقى خيار الفيدرالية أو الأقاليم خياراً سياسياً متاحاً من جملة الخيارات المحدودة المتاحة للحفاظ على سوريا دولة واحدة، وإن كان خياراً لا يُعيد السّيادة الوطنية في المدى المنظور؛ لأنّ هذه الفيدراليات – شئنا أم أبينا – ستكون خاضعةً لنفوذ القوى الإقليميّة والدّولية، وربما تحتاج سوريا فترةً لاستعادة عافيتها لتتخلص من الاحتلالات التي ستبقى ما بقي الأسد، وهذا ما جعل الأسد يمتنع قبل الأوامر الرّوسيّة من إرسال اللجنة الدّستورية؛ لأن صياغة نظام فيدرالي أو “نظام الأقاليم” محكم، على غرار بعض الدّول الغربية (إسبانيا)، يُفضي حتماً إلى إزالة الاستبداد القائم على الحكم الشّمولي، وتستطيع المعارضة استثمار التّجاذبات الإقليميّة والدّوليّة للخروج بدستور يحقّق الحد الأدنى من مطالب السّوريين.

 

 

 

 

 

 

عربي 21