في خطوة غير متوقعة، رفع البنك المركزي التركي، الأربعاء 23 مايو/أيار 2018، سعر الفائدة، في إجراء حاسم يهدف إلى دعم الليرة التركية واستعادة ثقة المستثمرين، رغم تأكيد الرئيس رجب طيب أردوغان، في وقت سابق، أنه لن يسمح بمثل هذه الخطوة.

ورفع البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي من 13.5% إلى 16.5%، لينخفض سعر صرف الليرة في الساعة الثامنة من مساء الأربعاء، مقابل الدولار إلى 4.55 ليرة، ومقابل اليورو إلى 5.33 ليرة، بعد انخفاضه إلى مستوى قياسي بلغ 4.92 و5.74 ليرة أمام الدولار واليورو على التوالي.

القرار جاء بعد اجتماع طارئ للبنك المركزي وكبار المسؤولين الاقتصاديين في الدولة، عقب الانخفاض غير المسبوق لليرة التركية أمام العملات الرئيسية. وأعلن نائب رئيس الوزراء التركي للشؤون الاقتصادية ميهمت شيمشيك، أن الوقت حان لتستعيد السياسة النقدية لتركيا مصداقيتها، وأن مشاكل الاقتصاد الكلي لتركيا ليست عصيَّة على الحل.

الخلاف بين الرئيس والبنك المركزي

لم يُخفِ الرئيس التركي، في السنوات الأخيرة، خلافه مع البنك المركزي، ومع ما يصفه بـ”لوبي رفع الفائدة”؛ إذ يتمسك أردوغان بخفض أسعار الفائدة لتشجيع السوق المحلي، متجاهلاً نصيحة كبار المستشارين الاقتصاديين الأتراك وتحليلات المؤسسات الاقتصادية الكبرى.

ودعا الطرفُ الآخر مراراً إلى رفع أسعار الفائدة بهدف خفض معدل التضخم، الذي فشلت الحكومة التركية، للسنة السادسة على التوالي، في تحقيق هدفها بخفضه إلى أقل من 10%، وتشجيع المستثمرين الأجانب على إدخال مزيد من العملة الصعبة إلى الاقتصاد التركي، مما ينعكس إيجاباً على سعر صرف الليرة.

وأشار عبد الرحمن الجاموس، أستاذ الاقتصاد والإدارة، إلى اعتراف الرئيس أردوغان، يوم الأربعاء 23 مايو/أيار 2018، بوجود خلاف بينه وبين كادره الاقتصادي، و”بعدم وجود اتفاق على خطة محددة”. وهي خطوة غير مسبوقة من قِبل الرئيس التركي.

وأضاف في حديثه لـ”عربي بوست”، أن مقابلة أردوغان مع قناة بلومبيرغ يوم 18 مايو/أيار 2018، خلال زيارته لبريطانيا، سرَّعت من تهاوي الليرة التركية، حين لمّح الرئيس التركي إلى أنه سيتدخل في السياسة النقدية في حال تمكُّنه من النجاح بالانتخابات، وفُهِمَ من ذلك أن أردوغان مُقبل على مزيد من التدخل في استقلالية البنك المركزي، على غرار دول العالم الثالث، وهذه نقطة لا يمكن للمستثمرين تجاوزها.

وقد سرَّب أحد المستثمرين الذين التقاهم أردوغان في بريطانيا، اندهاش المستثمرين من تلك النظرة، فالاقتصادات الحديثة تلتزم باستقلالية البنك المركزي، باعتباره “أبو البنوك”، والناظم للسياسة النقدية والتوجهات الاقتصادية المستقبلية. ويرى “الجاموس” أن إعلان أردوغان الحرب على الفوائد واعتبارها “أم الشرور” خلال زيارته بريطانيا (التي تعد عرّاب الفوائد العالمية)، قد زادا الطين بلة، حيث كان هدف الزيارة جذب الاستثمار.

واستثمرت الماكينة الإعلامية العالمية والمحلية لخصوم أردوغان تصريحاته، وأخذت تفسر نظريته الاقتصادية حول ثنائية التضخم والفوائد، حيث أكد أن زيادة معدلات الفائدة تسبب التضخم. في حين يرى “الجاموس” أن النظرية الاقتصادية تقول للبنك المركزي: إما خفض معدلات الفائدة في حال الركود لتسهيل الائتمان ومن ثم تنشيط الاقتصاد، أو تبني سياسة انكماشية لسحب الأموال لمواجهة انخفاض قيمة العملة عبر رفع الفوائد.

مؤامرة تستهدف الاقتصاد التركي؟

حذر كبار السياسيين الأتراك، في الأيام الأخيرة، من “مؤامرة” تستهدف الليرة التركية، في تصريحات حول وجود أسباب موضوعية وراء تدهور الليرة. فقد قال المتحدث باسم الحكومة التركية بكر بوزداغ، إن الجهات التي تقف وراء سعر صرف الدولار أمام الليرة التركية “ستقوم بعمل الكثير من المؤامرات” قبيل الانتخابات.

وأعاد “الجاموس” سر هذه التصريحات وغضب المسؤولين الأتراك إلى تقارير وكالات التصنيف الائتماني، وخصوصاً Fitch وP&S اللتين أعطتا تركيا تصنيفاً أوحى بهشاشة الاقتصاد التركي، وترك أثراً سلبياً على الليرة؛ ولهذا فسَّره المسؤولون الأتراك بأنه مؤامرة اقتصادية.

وقال إن المؤامرات سُنة كونية، ولكن الانكشاف الاقتصادي الأخير أظهر عيوب الاقتصادات الناشئة في مواجهة الأخطار، وباعتبار المؤامرات قائمة بين دول العالم، فماذا فعل صاحب القرار الاقتصادي لمواجهة تلك التحديات، التي نسميها سياسات؟

إحدى هذه السياسات التي فشلت في حل أزمة الليرة التركية، هي القرار رقم 32، الذي يؤكد “الجاموس” أنه رغم إقراره، في بداية عام 2018، بهدف حماية الليرة التركية وترتيبات الإقراض، فإنه لم يُثبت جدواه. كما أن ارتفاع فاتورة النفط بعد قرار الرئيس ترامب إلغاء الاتفاق النووي الإيراني ستكون له آثاره السلبية على تركيا، رغم أن وارداتها من النفط ليست كبيرة، بالنظر إلى أنها تعتمد في توليد الطاقة الكهربائية على السدود.

الدولار وأزمة الاقتصادات الناشئة

سجَّلت عُملات الاقتصادات الناشئة -ومنها الاقتصاد التركي- أداء سيئاً في الأسابيع الأخيرة، مردّه إلى تعافي الدولار. وليس تأثُّر هذه الاقتصادات بسعر الدولار وليد اليوم، فرغم أن حجم الاقتصاد التركي يقترب من عتبة التريليون دولار، فإنه يعاني مشاكل بنيوية منذ سنوات.

حظيت تركيا بنصيب كبير من “المال الساخن” الذي خرج من الدول الغربية -وخصوصاً الولايات المتحدة- منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008؛ بحثاً عن أسواق خصبة. ومع تحسُّن أداء الاقتصاد الأميركي ورفع الخزينة الفيدرالية معدل الفائدة، بدأ جزء من هذه الأموال بالعودة إلى الولايات المتحدة، رغم ارتفاع الأرباح في الأسواق الناشئة مقارنة بالسوق الأميركية، ولكن الأخيرة تتميز بنسبة مخاطرة أقل.

وسيطر على مُتخذ القرار الاقتصادي التركي، حسب “الجاموس”، “هوس مفرط” للوصول إلى معدلات نمو اقتصادي قياسية، تجلَّى في استسهال عملية الاقتراض منخفض التكلفة بدءاً بعام 2008. ولكن هذه الشركات دخلت في حلقة صعبة، في ظل ارتفاع تكلفة القروض وتسارع ارتفاع معدلات التضخم، لتلجأ إلى الاقتراض الأجنبي؛ ومن ثم عندما تهاوت الليرة التركية ارتفعت تكاليف الدين باعتبارها بالعملات الصعبة.

فإذا افترضنا أن شركة تركية اشترت بضائع من الخارج بقيمة 10 آلاف دولار في بداية عام 2018، فإن تكلفة هذا الدين إذا لم يتم سداده حتى الآن، زادت بنسبة قد تتجاوز 19%. ويقدَّر إجمالي الدين الخارجي التركي بـ450 مليار دولار، ويبلغ صافي ديون الشركات التركية المقوَّمة بالدولار 222 مليار دولار.