يوم الخميس 10 مايو/أيار 2018، كان كغيره من الأيام.

انتهى الدوام مساءً وازدحمت الشوارع إيذانا ببدء عطلة نهاية الأسبوع، وامتلأت أرصفة ساحة غرب طهران بمشاة يقصدون منازلهم أو المطاعم.

في كرسي متحرك يجلس شاب، فنان شارع يرتدي قبعة بيسبول، يغني أغنية Someone Like You لأديل، في حين تعزف أخته على الأورغ. يستدير رجل متفرج من المارة ليحدث صديقه، فيقول له: “لا أفهم الكلمات، لكنها جميلة”.

من السهل نسيان أن حياة هؤلاء العائدين إلى بيوتهم هنا قد تغيرت بجرَّة قلم على بُعد آلاف الأميال هذا الأسبوع؛ عندما انسحب الرئيس ترمب رسمياً من الاتفاق النووي الموقَّع بين إيران و6 دول عظمى.

مطب جديد يعترض طريقهم مجدداً، بينما يستكملون حياتهم اليومية بانتظار الخطوة المقبلة.

الحياة في إيران قد تكون أشبه بركوب قطار بمدينة ملاهٍ. فالناس العاديون لا يملكون سوى التمسك جيداً عند التقلبات والمطبات التي يقودهم إليها قادتهم وأحياناً القادة الأجانب، نادراً ما يكون زمام السيطرة في أيديهم.

“لا أحد يستمع إلينا وعلينا أن نمشي مع التيار”

بدأ بعض الإيرانيين سحب مدخراتهم، حتى من قبل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي العالمي الموقّع مع إيران، وهو ما فرض ضغوطاً على النظام المصرفي الذي يعاني بالفعل من القروض المتعثرة وسنوات العزلة، كما شهدت بورصات الخليج هبوطاً شبه جماعي.

وقال مسؤول في بنك ملي، أكبر بنك إيراني مملوك للدولة، لرويترز، إن المدّخرات انخفضت بمقدار لم يحدده، لكنه أضاف أن هذه ظاهرة مؤقتة، وأنها ستنتعش مجدداً فور انقشاع الضبابية المرتبطة بقرار ترمب.

في بلدة قاشان الصحراوية، كانت الناشطة الحقوقية نسرين سوتوده تدافع عن امرأة احتجت ضد الحجاب. نسرين، التي دخلت السجن عدة مرات، قالت إن الاتفاق النووي منح منتقدي الحكومة استراحة لبعض الوقت. وأضافت في مكالمة هاتفية مع صحيفة The New York Times إن “هذه الخطوة التي اتخذها ترمب عزَّزت قوة المتشددين، وسرعان ما سيباشرون القمع داخلياً. لنا أن نتوقع أياماً عصيبة لناشطي حقوق الإنسان المدنيين”.

حاول الناس العاديون المضي في حياتهم؛ أولئك الذين أملوا انفتاح الأجواء جراء الاتفاق النووي، ولو لبرهة وجيزة، كانوا يضمِّدون جراحهم. أما الإيرانيون الذين شاركوا في الاحتجاجات الأخيرة، التي عمت البلاد ورجال الأعمال على حد سواء، فقد جاهدوا للتأقلم مع الواقع الجديد.

نسرين سوتوده

البعض يلوم المتشددين

وفي طهران، أشار رجل الأعمال حامد رضا فراجي بإصبع اللوم إلى المتشددين. عمره 35 عاماً، وافتتح محل عطور بعد التوصل للاتفاق النووي عام 2015، وبدا له أن نمو التجارة يلوح في الأفق، حيث وعد قادة إيران بفترة ازدهار ووفرة مع مجيء المستثمرين الأجانب.
يقول فراجي: “ظننت أن المال سيكثر وأن الناس سيشترون المزيد من العطور”.
لكنه قبع في دكانه أياماً وأياماً في كساد، يبيع للقلة القليلة من الزبائن الذين دخلوا محله بسبب التخفيضات الكبيرة، لكنه أغلق الأسبوع الماضي محله ليسدَّ الباب أمام المزيد من الخسارة.
يقول: “لقد أفسد المتشددون في أميركا وإيران الاتفاقَ، وها نحن الآن نشهده يلفظ أنفاسه الأخيرة”.

وقال مسؤول كبير في البنك المركزي الإيراني، إن الأوضاع داخل النظام المصرفي تدهورت في السنة الأخيرة “ولم نتجاوز مرحلة الخطر بعد”. لكنه أضاف أن البنك المركزي لديه “كل الإجراءات جاهزة لمنع حدوث أي أزمة”.

والآن سيعود الغلاء من جديد

استيقظ الطالب “أكبري” صباح الأربعاء 9 مايو/أيار 2018، وشقَّ طريقه إلى الجامعة وجلس في الصف، فقال له طالب آخر إن الرئيس الأميركي ألقى خطاباً مهماً وإن العقوبات عائدة.
وينقل عنه تقرير The New York Times قوله: “كان ردُّ فعلي الأول هو القول إن الأسعار سترتفع من جديد.. المزيد من البؤس”.
من أذنيه تدلَّت سماعاته البيضاء التي تصدح بموسيقى الهيب هوب. يقول: “أحب الهيب هوب؛ فهو صوت المقهورين”.

“أمير من إيران يريد حياة عادية”

رجل آخر لم يذكر لمراسل The New York Times سوى اسمه الأول، أمير، ولم يرغب بداية في أن يتحدث عن قرار ترمب. كان أمير، البالغ من العمر 36 عاماً والذي هو أب لولدين، جالساً في كشك صغير بمركز غولريز للتسوق، يبيع النرجيلة (الشيشة) وقداحات Zippo.
يقول أمير: “ياللبؤس الذي هوينا إليه حتى بات لهذا الترمب دور في حياتنا! وكم نحن تعساء لأن قادتنا على الدوام يريدون التصادم مع الكل!”.
وأصر عليَّ بأن أكتب الجملة التالية: “أريد أن أعيش حياة عادية. أمير من إيران يريد حياة عادية”.

شعار “الخبز والوظائف والحرية” لا علاقة له بترمب

قليل من الناس في طهران شاركوا في الاحتجاجات التي عمت البلاد بأكثر من 80 مدينة خلال شهري ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني 2018. معظم سكان المدن من الطبقة المتوسطة، رأوا في الاحتجاجات تعبيراً عن الغضب أكثر من كونها حركة ذات هدف واضح.
بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، قالت إحدى سكان طهران والتي شاركت في الاحتجاجات، إنها تكره ترمب، لكنها أضافت إنها مع ذلك ستنزل إلى الشوارع؛ احتجاجاً مع أول فرصة تسنح لها. “ما زال شعاري هو هو: الخبز والوظائف والحرية. ولا أظن أن لهذا أي علاقة لا بترمب ولا بالوحدة الوطنية”.

وفقد الريال الإيراني ما يقرب من نصف قيمته خلال ستة شهور، حتى أبريل/نيسان، ترقباً لتبني الولايات المتحدة موقفاً أكثر صرامة، مما اضطر طهران لفرض حظر على تداول العملات الأجنبية محلياً، وفرض سقف لحيازات العملة الأجنبية عند 12 ألف دولار.

العقوبات ليست سيئة والشباب يطمح إلى تخطي الماضي

في الشوارع، لام كثيرون ترمب وقادتهم؛ لكونهم سبب شقائهم، غير أنه كان واضحاً مَن الذي أوقف الاتفاق في النهاية.
ونقل تقرير  The New York Times عن فاطمة (22 عاماً)، التي تعمل في دكان يبيع أوشحة الرأس والأحجبة، أن “ترمب تسبَّب في شقائنا.” ولَم ترغب فاطمة في إعطاء اسم عائلتها، واكتفت بابتسامة.

وكانت وكالة الطلبة للأنباء، شبه الرسمية، نقلت عن محمد رضا بور إبراهيمي، رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان قوله، في مارس/آذار، إن تدفقات رؤوس الأموال النازحة للخارج بلغت 30 مليار دولار في الشهور الماضية. وقال صندوق النقد الدولي إن احتياطيات إيران بلغت نحو 112 مليار دولار في 2017-2018.

البعض الآخر رأى حلاً واحداً، ولو أنه بدا بعيد الحدوث في الوقت الحالي. يعبر عنه محمد حسين، (28 عاماً)، الجالس وراء صندوق حسابات مقهى، فيقول: “عليهم الجلوس وإجراء محادثات؛ قادتنا والقادة الأميركيون”.
لكنه هو الآخر لم يودّ الإفصاح عن اسم عائلته، خصوصاً بعدما جاء مديره علي رضا وأبى هو الآخر إعطاء اسمه الكامل.
يصر علي رضا على القول: “لا أحد هنا يتحدث عن الاتفاق النووي”.

 

 

 

 

 

 

ترجمة عربي بوست