«بوتين فوق الجميع»، هذا خير عنوان يمكن أن يعطى لطقوس تنصيب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ولايته الرابعة. تلك الطقوس، وقد باتت من كلاسيكيات الفرجة العالمية، معدّة خصوصاً للكاميرا، التي جهدت أمس، كما في احتفالات سابقة، على إظهار بوتين بمظهر القيصر، بكل الأبهة، والثراء، وصورة الحاكم الفرد، الذي لا ينازعه على مكانته أحد، حتى على سبيل صورة.
استغرق مشهد ترتيب قاعة الحفل، بمن فيها من كبار المحتشدين، وقتاً قصيراً قياساً لصورة بوتين وحيداً في طريقه إلى القاعة. فبعد ترتيب المكان، واعتلاء رئيس مجلس الدوما، إلى جانب شخصيتين أخريين، بقي على الكاميراً أن تحضر الرئيس. وقد ذهبت هذه فوراً إلى مكتبه، رافقتْه بتأن، منذ قيامه من وراء مكتبه، وارتدائه سترته، ثم عبر الممرات البهية، المزينة بعدد كبير من اللوحات الفنية، وصولاً إلى سيارته التي ستقله إلى قاعة حفل التنصيب.
بوتين في الممرات وحيداً، وجهاً لوجه أمام الكاميرا، لكن لم يحدث مرة أن نظر إليها، وهي هنا بديل عن ملايين المتابعين، إنه مشغول بخطاه وحدها، وأحياناً كان يرمي نظرة عابرة إلى لوحة ما. هذه المسافة من الناس طبعت مسيرة التنصيب كلها. قلّما اقترب بوتين من الحشد، قلّما صافح إلا في مرات معدودة، فهو ليس أوباما، أو ماكرون، أو أياً من زعماء أوروبا الذين يمكن أن يختلطوا بالناس كما لو كانوا مزارعين مثلهم، أو زبائن في مطعم شعبي، إنه القيصر الذي عليه أن يحتفظ بتلك المسافة عن الحشد.
«بوتين فوق الجميع»، تماماً مثلما كان «هتلر فوق الجميع»، وكان هذا شعاراً لواحدة من حملات البروباغندا التي اقترحها أحد زعمائه المقربين، لكنها لم تستطع أن تبقيه لسنوات فقط في الحكم، هو الحالم بألف عام بحالها.
لكن مع ذلك، أو ربما بسبب كل ذلك، يصعب ألا يخطر في البال أن سير القيصر الروسي في تلك الممرات هو بصرياً أقرب للدوران في متاهة.
صور ورسائل القوة التي أراد بوتين تكريسها عبر طقوس التنصيب تتواءم مع تلك العبارة الواردة في خطاب القسم، حين قال «التاريخ لا يتسامح مع الضعفاء»، هو الحالم بصورة روسيا القوية، وربما الـ «فوق الجميع». لكن الصحيح أيضاً أن التاريخ (وأحياناً الحاضر) لا يتسامح مع الظالمين والمتوحشين ومرتكبي المجازر، أو حماتهم.

تظاهرات موسكو

عشية حفل تنصيب الرئيس الروسي بوتين ملأت فيديوهات عديدة صفحات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تصوّر تظاهرات معارضة للرئيس الروسي، وتظهر اعتقال عدد من المتظاهرين المعارضين لبوتين بموسكو، من بينهم الزعيم المعارض آليكسي نفالـني.
من بين أبرز الهتافات «يا للعار»، و«بوتين لص».
كل تلك الأبهة للاحتفال بفوز بوتين، الفخامة المرصعة بالذهب لن تتمكن من تبديد هذه العبارة الذهب: «بوتين لص».

بين كلاي وصلاح

يستطيع نجم الكرة المصري الأشهر محمد صلاح أن يكون نموذجاً ناجحاً لتبديد رعب الإسلاموفوبيا في الغرب، لا لأنه نموذج مسلم ناجح إلى هذا الحد، فمن نافل القول إن الناجحين المسلمين في الغرب أكثر من أن يعدّوا، بل بسبب هذا اللطف الذي يقدم به صورته كمسلم، هكذا ظهر في الملاعب، وكذلك في مقابلة أجرتها معه أخيراً «سي ان ان». خصوصاً حين أجاب محاورته رداً على سؤال عن «تقبيله للأرض»، فقد أجاب وهو يبتسم «لا نقبّل الأرض، إنها طريقتنا في شكر الله».
الحضور اللطيف لمحمد صلاح ذكّرني بالملاكم الشهير محمد علي كلاي، الذي نحسب أن من شأنه أن يعزز، بأدائه الإعلامي الفريد، الإسلاموفوبيا لا أن يدحضها. لا شك أن عدوانيته البالغة مثال واضح على نموذج لا يمكنه التعايش ولا الاندماج ولا التسامح.
يمكن الإشارة إلى مقابلة شهيرة يجادل فيها مذيعاً حول ملابس النساء، ليصل إلى الاستنتاج بأن مجتمع بلده همجي، وبأن المذيع الذي يحاوره «غير صالح» ما دام يخالفه الرأي في مسألة الملابس.
هل كان محمد علي كلاي أسطورة حقاً؟ ربما كان فعلاً أسطورة على المستوى الرياضيّ، لكن لا بد لنا، كعرب تلقوا أسطورة كلاي كأمر مسلّم به، أن يراجعوا مواقفه وآراءه، كم خدمت قضايانا، وكم أساءت.

إساءات وئام وهاب

لا يعرف عن الزعيم الدرزي اللبناني وئام وهاب، الموالي للنظام السوري وحلفائه في لبنان، إلا عدم الاتزان لدى ظهوره الإعلامي. غالباً ما يتوقع المشاهد منه شتائم واتهامات أو تهديدات، أو نكات (سمجة في الغالب) في أقل التوقعات.
غير أن مقابلته الأخيرة على قناة «ال بي سي» اللبنانية فاقت أفق التوقع، يبدو أن خسارة الرجل في الانتخابات النيابية أمس أوجعتْه جداً، فأظهر حنقاً على حلفائه في «حزب الله»، واتهمهم بأنهم سبب خسارته، بل واتهم بعضاً من قياداته بالسمسرة ولصوصية الكهرباء، مستعملاً على الهواء كلمات من قبيل «طز فيكم وبالمقعد، وبهالفرز».
ما يهمنا هنا هو الإساءة إلى الإعلامية جوانا ناصر الدين التي كانت تجري المقابلة، فهي حاولت أن تنبه الرجل إلى أنه على الهواء، وأن كلماته لا تليق، عندما أجاب :»بعرف أدبي منيح»، دافعاً إياها، منسحباً من المقابلة.
إعلاميون كثر أدانوا إهانة وهاب بحق الإعلامية ناصر الدين، وذهب بعضهم إلى لوم الإعلام اللبناني الذي يعرف جيداً إساءات هذا الرجل، ويذهب إليه مع ذلك في كل مرة، طمعاً بسبق، بخبطة صحافية، أو بنكتة يتداولها الناس.
على الإعلام أحياناً أن يستعمل سلطته، عندما يساء التعامل معه. وما سلاح الإعلام سوى التجاهل.

 

 

 

 

 

 

 

راشد عيسى