ليس مزايدة على أحد، ولكنّه أمر يستطيع أي متابع لمنهجية المؤسسات الأمنية المتوحشة في دولة النظام الأسدي أن يدركه: وهو أن من تكون تهمته لها علاقة بالتدين أو يكون من خلفيّة إسلاميّة نصيبه من تنكيل وبطش هذه المؤسسة المتوحّشة أكبر بكثير بل لا يقارن بنصيب غيرهم من المعارضين له من يساريين وليبراليين وبعثيين وغيرهم.

لاشكّ أنّ هاجس الخطر المتوقع من المعارضين لنظام الأسد جعل منظومته الأمنيّة المتوحّشة لا تستثني أحداً يُحتمل أنّ يشكل تعكيراً لنهج إدارة الدولة التي تغلغل الأمن في جميع مفاصلها من السياسة إلى الفنّ والرياضة، ولكننا وبنظرة سريعة ندرك أنّ النّاس العاديين وهم جلّ من عانوا من جور الاعتقالات وفظاعاتها كانوا يعاملون على أنّهم إسلاميون مفترضون لينالوا القسط الأكبر من إجرام هذه المنظومة الأمنيّة.

فمن حيث الأعداد لا يقارن عدد من اعتقلوا بهذه الخلفيّة المفترضة – والتي تؤهلهم لنوال تهمة الإرهاب بشكل آلي- مع غيرهم، حيث كانوا يملؤون زنازين الأفرع الأمنيّة والسجون والمعتقلات المعروفة وغير المعروفة، ولقد كان سجن تدمر سيء الصيت مثالاً صارخاً على ذلك، وخصوصاً في فترة الثمانينات حيث كانت أعداد من يفترض أنّهم معتقلون بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين – مع أنّ جلّهم لم يكونوا كذلك وكلّ ما في الأمر أنّهم كانوا متدينين- بالآلاف، بينما كانت أعداد غيرهم لا تزيد على المئات، ولقد اعتقلت أسر بأكملها ونكّل بها قتلاً وتشريداً بسبب وجود إسلامي مفترض بين أفرادها وهذا لم نره حصل عند غيرهم.

قد يقول قائل هذا يحتاج إلى إحصائيات ودراسات فمن أين وصلت إلى هذه النتائج؟ أقول هذا واقع مشاهد ومعروف عند السوريين، حيث يندر أن يوجد حي من الأحياء أو قرية من القرى إلا ويعرف أهلها أسماء المعتقلين وأعدادهم وخلفياتهم وإن لم يسجّل شيء من هذا لكنّه محفور في ذاكرتهم.

لا شكّ أنّ العامل الطائفي كان له دور كبير في زيادة التنكيل بالإسلاميين المفترضين فقد كان أغلب الجلادين إمّا من الطائفة النصيرية أو من أبناء الأقليات الأخرى مع وجود شريحة من أبناء السنّة أيضاً، ولكنّ الغالب كانوا من أبناء الأقليات، ومع حقيقة أنّ أغلب المعارضين من غير الإسلاميين هم من الأقليات كان كثيراً ما يجد هؤلاء المعتقلون من أقاربهم أو معارفهم من يقدّم لهم بعض المزايا الخاصّة التي لا يحلم بعشرها الإسلاميون المفترضون.

قص لي أحد المعتقلين السابقين – قبل استشهاده تحت التعذيب- وكان قد اعتقل وهو طالب في المرحلة الثانوية وقد لحق بأخويه وكان والده واثنان من أعمامه قد استشهدوا في المعتقلات، قال: عندما كنت في سجن حمص المركزي أعلن أنّه من يريد أن يتقدّم للشهادة الثانوية  يسجّل اسمه عند إدارة السجن، قال فذهبت لأسجّل اسمي فسألني النقيب المسؤول عن التسجيل عن تهمتي فقلت له إخوان مسلمين فغضب ورفض أن يسجّل لي وطردني من مكتبه وهو يصرخ: أحمد الله أن تركناك حيّاً، قال بينما تمّ قبول جميع المتقدمين من اليساريين وغيرهم كلّهم.

وبينما كان الإسلاميون يمنعون حتّى من الصلاة في الزنازين كان غيرهم يتمتّع بميزات كثيرة من حيث الخدمات المقدّمة في مركز الاعتقال، وحتى بعد الثورة بينما كنت ترى عشرات الألوف ممن اعتقلوا على أنّهم ممن شارك في المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام والذين تحولت تهمتهم في المعتقلات إلى متطرفين إسلاميين مفترضين وإرهابيين بينما كان هؤلاء يموتون بالآلاف تحت التعذيب الوحشي المريع كان بعض المعارضين السياسيين المحسوبين على باقي التيارات من طائفة النظام أو غيرها من الأقليات يحتجزون في أماكن أقلّ ما يقال عنها أنّها لا تشابه أماكن اعتقال من يقال عنهم متطرفون إسلاميون، بل من النادر أن نسمع أنّ أحداً من هؤلاء قضى تحت التعذيب وإن وجدت بعض الحالات الفردية.

لقد أدرك النظام الأسدي أنّ المعارضين له من غير الإسلاميين نخبة قد يشكّلون مصدر إزعاج أو قلق لنظامه الاستبدادي ولكن لا يتصور أنّ يشكّلوا خطراً وجودياً عليه، فهو يعلم أنّهم لا يملكون رصيداً شعبيّاً يمثّل حاضنة ساكنة سكوناً مؤقتاً بسبب القبضة الأمنيّة القويّة قد تنفجر في أية لحظة إذا وجدت الظروف المناسبة كما حصل بداية من 15 آذار 2011  بخلاف المعارضين ذوي الخلفية الإسلاميّة.

وهنا سؤال كبير يطرح نفسه لمَ يظهر غير الإسلاميين من المعتقلين السابقين على ساحات ومنابر الإعلام بحيث تسلّط الأضواء عليهم وعلى معاناتهم بينما يتغافل الإعلام في الغالب عن معاناة المعتقلين من الإسلاميين المفترضين، فالجواب أنّ هذا يعود لسببين: الأول اهتمام الغرب بهم على وجه الخصوص، ومنظمات حقوق الإنسان أكثرها غربي أو بدعم من دول الغرب، بالإضافة إلى أنّ الشيوعين كان لهم في يوم من الأيام حليف قوي هو الاتحاد السوفياتي يسعى لنيلهم حريتهم، بينما تتعاطى هذه المنظمات التي تهتّم بقضايا معتقلي الرأي باستحياء مع المعتقلين من الإسلاميين المفترضين على أساس أنهم عدو مفترض للغرب أو يحملون بذور ديكتاتورية دينية لو استطاعت الوصول إلى الحكم.

بالإضافة إلى عامل مهم آخر وهو أنّ أكثر المعتقلين من غير الإسلاميين كانوا من المثقفين والنخب بخلاف الإسلاميين فهم وإن كان كثير منهم من المثقفين والأكاديميين ولكن لكثرتهم و مرور فترة كانت اعتقالات النظام الأسدي لمن يفترض أنّهم إسلاميون عشوائية بدافع طائفي يريد الانتقام من كلّ من هو سني وكانت التهمة جاهزة وهي الانتماء ( لعصابة الإخوان المسلمين العميلة) فجمعوا عشرات الألوف من النّاس العاديين البسطاء المتدينين وكثير منهم أطفال وليسوا ممن يصنفون على أنهم يحملون مشروعاً إسلاميّاً، وهذا حصل في مرحلتين بدأت الأولى من أوائل السبعينات وكانت ذروتها في أوائل الثمانينات، وأكثر هؤلاء تمت تصفيتهم في فروع الأمن والمعتقلات، ثمّ في سجن تدمر بعد ذلك، والمرحلة الثانية كانت بعد انطلاق ثورة الكرامة عام 2011 وهي مازالت مستمرة إلى هذه الأيام.

ولا يفهم من هذا التقليل من معاناة معارضي نظام الأسد من غير الإسلاميين أو ممن اعتقلوا على خلّفيّة دينية ولكنّ الحقيقة أن نظام عائلة الأسد ترك إرثاً عميقاً وكبيراً من الأحقاد والكراهية عند السوريين حين مزج بين ديكتاتورية فرديّة بغيضة أمعنت في سفك الدماء البريئة وبين طائفيّة منتنة تحمل إرث مظلوميّة تاريخية مزعومة جعلتها تجور حتى في اضطهادها وتنكيلها بمخالفيها.