كلما نظرت إلى صورة تلك الفتاة الباكستانية البريئة (ملالا) إلا وانتابتني مشاعر الحزن والأسى، ليس لأنها كانت ضحية مجتمع جاهل أراد أن يضع حدا لحياتها لأنها أصرت على التعلم والدراسة كما يراد لنا أن نعتقد، بل لكونها ضحية كيد غربي عندما حبك قصتها ونسج مأساتها ثم اتخذها أداة لتبرير جرائمه وتدخلاته وتبييض سجله الحافل بالفظائع في وطنها باكستان والأوطان المجاورة له لاسيما أفغانستان.

كانت (ملالا) عنوانًا للظلم والإجحاف الذي تتعرض له الفتاة في باكستان وأفغانستان، ورمزًا للكفاح من أجل العلم والمعرفة، وعلى أساس هذه السردية -الملفقة طبعا- جاء التدخل الأجنبي لينقذ براءة الطفولة وينتصر للعلم والتعلم، ويحارب الإرهابيين الذين حاولوا اغتيال (ملالا) لأنها أصرت على الالتحاق بمدرستها.

وحتى تأخذ قضية هذه الفتاة بعدًا عالميًّا وتتحول إلى قضية إنسانية عادلة! فقد تم منحها أعرق جائزة عالمية وهي جائزة نوبل للسلام، وكتبت عنها الكتب والأطروحات وسلط عليها الإعلام العالمي أضواء الشهرة، وأصبحت الطفلة الصغيرة (ملالا) مناضلة أممية طمس بريقها الوهاج بريق “القواعد” من المناضلات والمخضرمين من المناضلين.

إزاء الحكاية المتهافتة للفتاة (ملالا) وما رافقها من صخب عالمي مصطنع لتبرير التدخل الغربي في باكستان وأفغانستان ثمة حقيقة لا يجب أن تُعاند.

إذا كانت القصة التي حرصت الإمبريالية الغربية على تسويقها تقول أن هناك شعبًا يعاني الجهل والتطرف واضطهاد النساء والأطفال وحرمانهم من الدراسة والتعلم وبالتالي فإن أي تدخل ينقذ هذا الشعب من هذا التخلف والضياع؛ هو تدخل مشروع وعادل وإنساني؛ إذا كانت هذه هي القصة التي يُراد للجميع أن يصدقها فإن هناك قصة أخرى أصدق منها لم يسمع بها الكثيرون، لأنها مطمورة في صخب التسبيح لفتاة نوبل.

في باكستان لا تعاني الفتيات من التمييز فيما يتعلق بحقهن في التعلم وتحصيل المعرفة أو على الأقل إلى المستوى الذي يتم الترويج له. وآفاق التفوق والإبداع مفتوحة أمام كلا الجنسين.

وإذا كانت (ملالا) رمزا لمعاناة الفتيات المحرومات من التعليم فإن قصة الدكتورة (عافية صديقي) رمز لمعاناة المرأة المتعلمة التي أوردها علمها موارد الهلاك على أيدي من ادعى أنه جاء لاستنقاذ النساء من براثن الجهل والتخلف. قصة الدكتورة عافية صديقي مثيرة للأسى؛ تلك المرأة الباكستانية التي وقفت حياتها للعلم والمعرفة حتى نالت أعلى الدرجات في أعقد التخصصات العلمية (علم الأعصاب)،

تم اختطافها فيباكستان وتعريضها لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي من قبل عناصر المخابرات الأمريكية، حتى أجهضت حملها الناجم عن الاغتصاب في المعتقل. تم تسفيرها إلى الولايات المتحدة والحكم عليها بالسجن لـ 86 عاما بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة. في قصة (ملالا) كان الإرهابيون يقمعون الفتيات المتعلمات وفي قصة (عافية صديقي) الإرهابيون يرحبون بالمتعلمات! تناقض فج يعبر عن الموقف الحقيقي من المرأة المثقفة والمجتمع المتعلم بصفة عامة.
لماذا نذهب بعيدًا ودماء تلاميذ قندز لم تجف بعد، تلك الجريمة النكراء الآثمة التي وقعت إحدى المدارس الأفغانية بولاية قندز ضحية لها، حيث تعرضت المدرسة لقصف جوي أمريكي أدى إلى استشهاد وجرح المئات من التلاميذ المتفوقين وعائلاتهم وكان الجميع يحتفل بمناسبة إكمال الطلبة الصغار حفظ القرآن الكريم، قبل أن تنثر الصواريخ الأمريكية أشلائهم على الكتب والدفاتر والمصاحف، وتضع حدًا لمسيرتهم العلمية في مهدها.

مع الأسف لم تُضئ الأبراج لأطفال قندز ولم يقف لهم أحد دقيقة صمت، لم يسحب أحد سفيرًا للاستفسار ولم يبعث برقية احتجاج، واصل الجميع حياتهم كأن شيء لم يحصل. لم تكن مدرسة قندز الوحيدة التي تعرضت للقصف وتعرض تلاميذها للقتل بالجملة بل عشرات من المدارس الأفغانية والباكستانية المتواجدة في منطقة وزيرستان الحدودية بين البلدين.

وعشرات الأخرى من المدارس في العراق وسوريا وغيرها. في بلد مثل سوريا تسبب الطيران الروسي والدولي بتوقف مئات المدارس عن تقديم خدماتها التعليمية للطلاب، حتى اضطر “الإرهابيون المناهضون للمعرفة” إلى إقامة خيام مؤقتة في مناطق خطيرة جدًا تفتقر لأبسط مقومات العملية التعليمية حتى لا ينقطع الأطفال عن الدراسة.

أتوق كما يتوق غيري لمعرفة موقف فتاة نوبل والمناضلة الأممية (ملالا) من التدمير الممنهج الذي تتعرض له مدارس سوريا والعراق وأفغانستان، والقتل بالجملة الذي يتعرض له الأطفال والتلاميذ هناك، بالتأكيد الفتاة لن تعلق ليس فقط لأن جائزة نوبل قابلة للسحب بل لأن الفتاة الساذجة مجرد واجهة لسياسة هدفها إضفاء الشرعية على مشروع الغزو والتدخل الغربي في باكستان وأفغانستان، وبالتالي فهي غير معنية بمآسي الأطفال والتلاميذ هنا هناك إلا عندما يقف خلف هذه المآسي من يوصفون بالإرهاب.

فالقصص التي تثير شهية فتاة نوبل وغيرها من المناضلات والمنظمات ذات الاهتمام بقضايا تمدرس الأطفال والفتيات هي تلك التي يكون طرفها أب متعصب دينيًّا يمنع ابنته من الذهاب إلى المدرسة، أو رجل ملتح عبر عن رأيه القاضي بحرمان الفتيات من التعلم، أو رجل دين أفتى بجواز منع الفتاة من إكمال دراستها إلى غيرها من القصص التي تعبر عن حالات شاذة ومعزولة في هذا المجتمع أو ذاك.

أما قصة هدم مدرسة على رؤوس تلاميذها ومقتل المئات منهم في قندز أو في ريف الرقة أو إدلب أو حلب أو الغوطة أو في إحدى مدن العراق المنكوبة فهي قصة غير جديرة بالاهتمام لأنها أعراض جانبية لحروب التحرير والتنوير المزعومة.

لا شك أن يتابع فصول المأساة المتواصلة في سوريا ستلفت نظره كثير من المشاهد المغرقة في الدلالة والموغلة في الرمزية، طفل مدرج في دمائه وهو يمسك بدفتر رسوماته، حقيبة زهرية اللون منضوحة بدم صاحبتها، دفاتر وكراسات وكتب ممزقة مطمورة تحت الركام، قصاصات ورق كتبت بخط طفل يتعلم الأبجدية منثورة مع الأشلاء والأطراف الممزقة.. كلها مشاهد واقعية مترعة بالرمزية والدلالة، تعبر عن مأساة الأطفال والتلاميذ في سياق الحروب الظالمة التي يشنها الآخرون على بلاد المسلمين.

إذا كانت المعركة معركة أجيال سلاحها العلم والوعي والمعرفة فلنتوقع هدم المدارس وقتل التلاميذ بالجملة، واغتيال الكوادر العلمية المتخصصة، وإغراء العقول المتميزة على الهجرة، والحرب على المناهج الدراسية، وتسليط مزيد من الزعامات الدكتاتورية الأمينة على موروث التخلف والرجعية في بلداننا.

 

 

 

 *كاتب مغربي | مدونات الجزيرة