أثار خبر موت صحافي روسي بعد سقوطه من شرفة شقته في مدينة يكاتيرينبورغ الروسية، قبل يومين، علامات استفهام عدة، لا سيما وأن كتاباته كانت مثيرة للجدل وأبرزها تحقيقه الاستقصائي الذي كشف فيه وجود المرتزقة الروس في سوريا.

وبحسب ما نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، فقد وُجد ماكسيم بورودين مصاباً بإصابات بالغة بعد سقوطه من شرفة شقته في الطابق الخامس، قبل أن يتم نقله على الفور إلى إحدى مستشفيات مدينة يكاتيرينبورغ ليفارق الحياة هناك.

وعلى الرغم من رفض السلطات الروسية المحلية التعامل مع موت بورودين باعتباره قضية جنائية، إلا أن موت صحافي التحقيقات فتح مجدداً ملف استهداف السلطات الروسية لحرية التعبير بشكل عام وللصحافيين بشكل خاص.

ويعمل ماكسيم بورودين، البالغ من العمر 32 عاماً، مراسلاً لحساب موقع “نوفي دين” غير الحكومي، وقد زادت شهرته كصحافي تحقيقات مثيرة للجدل بعد كتابته عدة تقارير عن شركة “فاغنر” العسكرية الروسية الخاصة، كما كتب سلسلة موضوعات استقصائية حققت شهرة محلية حول السجون والمسؤولين الفاسدين في مسقط رأسه سفيردلوفسك.

“هناك مسلح على شرفة شقتي”

تستبعد الحكومة الروسية أن يكون بورودين قد انتحر بسبب عدم وجود رسالة انتحار في شقته، لكنها تستبعد أيضاً أن يكون هناك شبهة جنائية تتعلق بموته. وحتى الآن ترفض الشرطة الروسية التعامل مع القضية باعتبارها جنائية، مرجحة أن تكون مجرد حادث.

لكن عدة أحداث سبقت موته، جعلت العديد من المراقبين يرجحون وجود شبهة جنائية في موته، ففي العام 2017، أخبر بورودين عدة صحافيين أنه تعرض للضرب على رأسه بأنبوب معدني بعد فترة قليلة من قيامه بموضوع صحافي حول عمل درامي تاريخي مثير للجدل عرض في روسيا يدعى “ماتيلدا”.

وتواصلت صحيفة “الغارديان” مع فياتسلاف بشكوف، وهو ناشط محلي في مجال الحقوق المدنية، وقد وصف بورودين باعتباره واحداً من أفضل صحافيين التحقيقات في روسيا، معتبراً أن “عمله كان خطيراً للغاية”، على حد تعبيره.

بدوره، أكد رئيس تحرير “نوفي دين”، وهو الموقع الذي كان يعمل بورودين لحسابه، إن الصحافيين سيحتاجون إلى الوصول إلى شقة بورودين لتقييم ما إذا كانت هناك أعمال خطرة حدثت هناك.

من جهته، نقل موقع “بي بي سي” عن فياتشيسلاف باشكوف، وهو أحد أصدقاء الصحافي بورودين، قوله إن بورودين أخبره، منذ يومين، أن شقته محاطة برجال الأمن، مضيفاً أنه اتصل به في الخامسة صباحاً يوم 11 أبريل قائلاً له أن هناك شخصاً مسلحاً موجود على شرفة شقته، بالإضافة إلى وجود عدة أشخاص مقنعين في مدخل العمارة.

وبحسب شهادة باشكوف، فإن صديقه بورودين كان يبحث عن محام، لكنه اتصل به مرة أخرى ليقول له إن أفراد الأمن الذين شاهدهم كانوا يتدربون على شيء ما.

وأثار خبر موت بورودين جدلاً عالمياً، حيث أعلن قسم حرية الإعلام في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن موته أمر مثير للقلق الشديد.

ووصفت المنظمة خبر الموت المفاجئ لبورودين بالصادم، مضيفة أنه كان يتحدث في قضايا مختلفة بما في ذلك الجريمة والسياسة والانتخابات، وآخر ما كتبه كان تحقيقاً عن مرتزقة الحرب السورية، في حين دعت المنظمة السلطات إلى إجراء تحقيق كامل وشفاف ومستقل حول ظروف وفاته.

ماذا كتب بورودين عن المرتزقة الروس في سوريا؟

كشف تحقيق بورودين الاستقصائي عن وجود مرتزقة روس في سوريا معروفون باسم “مجموعة فاغنر”، شاركوا في هجوم مع القوات السورية على مقر “قوات سوريا الديموقراطية” المدعومة أمريكياً.

وكان بورودين أول من كشف تفاصيل كاملة عن تعرض وحدات من المرتزقة الروس إلى قصف أمريكي مركز، مؤكداً في تحقيقه أن هؤلاء المرتزقة قتلوا في سوريا يوم 7 فبراير الماضي بعد معارك مع القوات الأمريكية.

وفيما بعد أكدت مصادر أمريكية صحة تحقيق بورودين، حيث قال مدير الاستخبارات الأمريكية السابق مايك بومبيو إن هناك حوالي مئتين من المرتزقة الروس لقوا حتفهم في معارك تمت في دير الزور.

كما اعترفت روسيا مؤخراً أن العشرات من المواطنين الروس قتلوا أو أصيبوا في سوريا، لكنها قالت إنهم مواطنين لكنهم ليسوا جنوداً نظاميين في الجيش الروسي.

وتقول “بي بي سي” إن “مجموعة فاغنر” تضم حوالي 2500 رجل روسي، يصل راتب الواحد منهم إلى 5300 دولار شهرياً، موضحة أن هذه المجموعة تعمل لصالح شركة أمنية خاصة.

ويعود سبب تسمية المجموعة باسم “فاغنر” إلى أن قائدهم هو العميد السابق ديمتري أوتكين، وهو أحد المقاتلين السابقين في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا، ويعرف باسم حركي هو “فاغنر”.

وبدأ الحديث عن وجود مرتزقة روس في سوريا في نوفمبر من العام 2016، حين نشرت وكالة “رويترز” تقريراً وثقت فيه مقتل شابين روسيين هما ماكسيم كولغانوف (38 عاماً) وسيرغي موروزوف (38 عاماً أيضاً)، وقد قُتل الأول قرب حلب والثاني قرب تدمر.

وقالت “رويترز” وقتها إن جثماني الشابين نقل إلى روسيا بواسطة طائرة عسكرية، وإن أسرتيهما مُنحتا ميداليتي شجاعة تحملان توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، “تقديراً للتضحية التي قاما بها في سبيل بلادهم”.

لكن الوكالة أكدت أن الشابين لم يكونا جزءاً من القوات العسكرية الروسية الرسمية بل كانا “متعاقدين”، ضمن مئات المتعاقدين الذين تستخدمهم موسكو سراً في المعارك السورية.

المركز 83 من أصل 100

كثيراً ما تنتقد المنظمات الدولية تقييد روسيا لحرية الإعلام والتعبير داخل أراضيها، كان آخرها على سبيل المثال ما قالته منظمة العفو الدولية يوم الخميس الماضي – تعليقاً على طلب من هيئة رقابة وسائل الإعلام في روسيا حظر تطبيق تلغرام للتراسل بسبب رفض الشركة تبادل معلومات المستخدمين مع الحكومة – إن “السلطات الروسية تشن بذلك أحدث سلسلة من الاعتداءات على حرية التعبير على الإنترنت في البلاد”.

وأضافت منظمة العفو الدولية قائلة إن روسيا استهدفت في السنوات الأخيرة “بشكل مطرد الفضاءات المستقلة القليلة المتبقية في البلاد بسبب حرية التعبير”، حيث حجبت المواقع الإخبارية التي تنتقدها، وفرضت قواعد صارمة على تخزين البيانات، واعتبرت وسائل الإعلام المسجلة خارج روسيا في خانة “العملاء الأجانب”.

ويُذكر أنه منذ العام 1992 وحتى اليوم قتل 38 صحافياً في روسيا، وفي معظم هذه الحالات لم تُعرف هوية القاتل، وذلك بحسب لجنة حماية الصحفيين (منظمة غير حكومية مقرها نيويورك)، بينما صنّفت منظمة “فريدوم هاوس” روسيا في المركز 83 من أصل مئة في سلم حرية الصحافة.

 

 

 

رصيف 22