على دراجة أحد أبناء مدينة الباب السورية، وعبر شوارعها المحررة مؤخراً من تنظيم “الدولة الإسلامية”(داعش) ندخل منزل عبد الله. الأثاث في معظمه، ما زال جديداً وغير مكتمل: مدفأة في الركن وجنبها الكرتونة الخاصة بها، النوافذ ما زالت مطليَّة حديثاً، وقليل من السواتر تم تركيبها.

صاحب المنزل لا يعرف الكثير عن المنطقة، غير أن أصل زوجته يعود إلى مدينة الباب.. يبحث الرجل عن العمل بعد اضطراره إلى ترك مدينة حلب، التي سيطر عليها نظام الأسد وشبيحته (ميليشيات الأسد غير الرسمية)، الذين قام أحدهم باغتصاب ابنه البالغ من العمر 15 سنة!

تقارير أممية أظهرت أن نسبة الأطفال والرجال الموجودين في مخيمات اللاجئين، والذين تعرَّضوا للعنف الجنسي في أثناء فترات احتجازهم، تتراوح ما بين 30% و40%، ولا يمكننا تصوُّر وجود أي عائلة لم يتعرَّض شخصٌ فيها للاحتجاز والانتهاك الجنسي، كما جاء في التقارير الأممية الصادرة مؤخرا.

فقد كانت المجموعات المُسلَّحة تُنفِّذ حملات مداهمة على المنازل، و”يغتصبون خلالها الجميع” رجالاً ونساء، كما تسجل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وحتى بعدما فرّوا من سوريا إلى دولٍ مجاورة، ظلَّ بعض الصبية الصغار يتعرَّضون للاستغلال الجنسي من قِبَلِ الصبية والرجال الأكبر منهم، والذين أغروهم بالمال والطعام.

من أجل ربطة خبز!

“اغتصب الشبيح ابني هذا” فاجأنا عبد الله بهذه الجملة، وهو يشير بيده إلى الطفل الذي خرج علينا من إحدى الغرف، ويبلغ من العمر 15 سنة، أسمر اللون وأجعد الشعر ولم ينطق بكلمة منذ دخولنا.

حسب رواية الأب، فإن “الشبيح” مارَس الجنس على ابنه في الحاجز مقابل أن جلب له ربطة الخبز في مدة أقل من الوقت المطلوب منه للوقوف أمام طابور الخبز الطويل.

لاحظت أمه عودته مبكراً من الفرن، وهذا أمر غير معتاد، عندما سألته أجابها بأن الشبيح “أبو غالب” كان يطلب منه أن يذهب معه إلى غرفة الحاجز قبيل شروق الشمس وينام جنبه ربع ساعة.. لم يفصِّل الأب أكثر، تلعثم وانكمش في مجلسه.. قبل أن يضيف بنرفزة: “يعطيه خبزاً بسرعة!”.

الاغتصاب في مناطق الصراع السورية لم يقتصر فقط على الأطفال، سارة تشينويث، كاتبة تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول العنف الجنسي ضد الرجال والصبية، قابلت رجلاً كان يعاني جراحٍاً مؤلمة بسبب تعرُّضه للتعذيب الجنسي، وصرح لها بعض عمال الإغاثة بأن الجراح الشرجية تعد أمراً شائعاً بين الرجال الذين كانوا محتجزين.

الروايات التي جمعتها سارة، مُروِّعةً ومُحزِنةً وكثيرةً في الوقت ذاته. بمخيمٍ كبيرٍ للاجئين في الأردن، قابلتْ مجموعةً من النساء كنَّ على استعدادٍ للتحدُّث بشأن الموضوع. ووفقاً لهن، يتعرَّض الرجال والصبية لانتهاكاتٍ جنسيةٍ بشكلٍ روتيني في أثناء فترات احتجازهم بسوريا، وهو تعليقٌ ردَّدَه لاجئون آخرون وعددٌ كبير من الرجال، الذين احتُجِزوا من قِبَلِ مجموعاتٍ مُسلَّحة مختلفة.

في لبنان، طلب رجلٌ فلسطيني، عاش عمره كله في سوريا، التحدُّث معها بعد انتهاء النقاش مع المجموعة. أخبرها كيف اقتحم رجالٌ مُسلَّحون قريته واغتصبوه. حطَّمَته هذه التجربة، وصار يعاني اضطراباً نفسياً شديداً، لدرجةٍ تمنعه من العمل رغم أنه كان يتعيَّن عليه الاعتناء بأخته الصغيرة.

وفي الأردن، حكى لها شابٌ سوري عن عمه، الذي قُبِضَ عليه بشكلٍ عشوائي. وبينما كان في مقر الاحتجاز، تعرَّض للتعذيب الجنسي من قِبَلِ محتجزيه. وبعد إطلاق سراحه، امتنع عن تناول الطعام وأدمَنَ الكحوليات وتُوفي بعدها بوقتٍ قصير بمرض التليف الكبدي.

عزلوا أنفسهم حد الموت..!

عبد الله، طلب من ابنه الأسمر أن يُحضر الشاي الذي أعدته أمه، لا تظهر على الفتى أي علامات خوف أو تعنيف، أحضر كاسات الشاي لنا وجلس بالقرب من باب الغرفة، وسرعان ما خرج عندما أومأ والده إليه برأسه بالخروج، مبرراً ذلك لنا بأنه لا يريد للطفل أن يعلم أن ما حدث له هو اغتصاب؛ عله ينسى ما حدث.

بعد سؤاله عن حالات التعنيف الجنسي ضد الذكور في حلب، تغيرت جلسته.. لم يعد منكمشاً مثلما كان الحال مع قصة ابنه. في حلب، بعض العائلات الفقيرة ترضى بهذه الممارسات من قِبل الشبيحة على أطفالها مقابل الخبز وتيسير الأمور، ويضيف أن بعضهم لهم أقارب يقاتلون إما في صفوف تنظيم داعش وإما بفصائل “الجيش الحر”، وهذا “باب يدخل منه الشبيحة لاستغلال العائلات جنسياً”.

كما أن بعض العائلات لا تستطيع السفر، فليس لديها مال يكفيها للرحيل والعيش خارج حلب، يقول الأب.

ما يحكيه عبد الله ل”عربي بوست”، يؤكده تقرير سارة التي ختمت به جولاتها، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2016، وصلت إلى أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، حيث فرَّ أكثر من 200 ألف لاجئ سوري. وفَّرَت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مترجماً لها، وأجرت حواراتٍ مع لاجئين في مخيمٍ قريب. قابلت أول مجموعة تألَّفت من 8 رجال سوريين، فرُّوا من الحرب.

سألتهم عن طبيعة حياتهم في المخيم، وكيف يتعايشون مع الوضع، وما هي مخاوفهم الرئيسية. وبمجرد بناء علاقة مُقرَّبة معهم، سألتهم مترددةً عمَّا إذا كانوا قد سمعوا عن تقارير تفيد بارتكاب جرائم عنف جنسي بحق الرجال والصبية في سوريا. “نظروا إليَّ بريبةٍ وكأنَّهم لا يُصدِّقون أنني أطرح مثل هذا السؤال البديهي، قائلين: (نعم، بالطبع. إنه في كل مكان ويحدث من جميع الأطراف).

كنت مندهشةً من ردِّهم وصراحتهم. لكنني كنت مُتشكِّكةً أيضاً: فالشائعات أمرٌ عادي في مناطق الحرب. هل سمعوا أية روايات من أشخاصٍ يعرفونهم شخصياً؟ ومجدداً، أجاب الرجال بـ(نعم) مدوِّيةً”. عندما قابلَت المزيد والمزيد من اللاجئين -200 لاجئ تقريباً في العراق، وكردستان، والأردن، ولبنان- تلقت إجاباتٍ مشابهة وقصصٌ مفجعةٌ.

وصفت لها بعض النساء كيف تغيَّر الرجال بعد مرورهم بهذه التجارب؛ إذ عزلوا أنفسهم عن المحيطين بهم، وتوقَّفَت رغبتهم في ممارسة الجنس، وباتوا يتصرَّفون بعنفٍ في بعض الأوقات. ولم يتمكَّن بعضهم من العمل؛ بسبب الآثار النفسية والجسدية للعنف الذي تعرَّضوا له، ما عرَّضَ عائلاتهم لخطر الفقر.

ابتزاز جنسي

العديد من النساء والفتيات كنَّ هدفاً لجرائم الاغتصاب والعنف الجنسي، لكن لم تكن الموظفة الأممية تعرف الكثير مما يتعرض له الرجال والصبية؛ لأن العنف الجنسي بحق الرجال لم يكن شائعاً.

في تقريرها الذي نشرته “الغارديان”، سجلت سارة اندهاشها البالغ من روايات الاستغلال الجنسي في العمل. كان أول شخص يخبرها عن هذا الأمر، هو شابٌ سوري يبلغ من العمر 18 عاماً ويعمل في وظيفتين، كان مديره يطلب منه “أداء خدمات جنسية قبل أن يدفع له راتبه”.

الشاب السوري، لم يكن يستطيع رفض طلبات مديره؛ لأن عليه مسؤولية إعالة أمه وأختيه، مما زاد من شعوره باليأس والعار.

سمعت سارة مثل هذه القصة من رجال وصبية لاجئين آخرين يعملون دون تصريحٍ قانوني، ولم يكن لديهم من خيارٍ سوى الإذعان لمطالب رؤسائهم، وسط الفقر الطاحن، وتقلُّص أموال المساعدات، والضغوط الهائلة لإعالة عائلاتهم.

في الأردن، قابلت سارة مجموعةً من الأطباء النفسيين المُتخصِّصين بعلاج الناجين من التعذيب، وسألتْهم لماذا يُستَخدَم التعذيب الجنسي في النزاع السوري. فكان ردُّهم، أن التعذيب قد أُعِدَّ بغرض إلحاق ألم نفسي عميق، قادر على تشويه صورة المرء عن نفسه.

وتُظهر دراساتٌ توثِّق حوادث العنف الجنسي في حروبٍ أخرى بأماكن مثل ليبيريا، وشمال أوغندا، ويوغوسلافيا سابقاً، أن الرجال والصبية كانوا أيضاً هدفاً لعددٍ من حوادث العنف الجنسي. ويُعدُّ العنف الجنسي في أثناء فترات الحرب قضيةً مُعقَّدة، لكنَّه قد يكون أيضاً وسيلةً فعَّالة للغاية لإذلال، وإرهاب، وقهر النساء والرجال.

وفي سوريا، لا توجد -بشكل عام- إحصائيات رسمية لعدد المُعنَّفِين جنسياً من الإناث فبالأحرى الذكور، ويعود ذلك لعادات وتقاليد المجتمع والخوف من تبعات الفضيحة.

فلا أحد يزوج ابنته لشاب معنَّف جنسياً، كما يقول محمد الشاوية، وهو شاب من مدينة الباب، يحكي لـ”عربي بوست” عن استغلال عنصر من عناصر تنظيم داعش شاباً “مدنياً”، وهو مصطلح يطلق على كل سوري لم ينتمِ إلى أي جهة من الجهات المتحاربة في سوريا.

“الشاوية”، الذي يعمل في مجال تصليح السيارات، يحكي أن ابن عم “المدني” كان يقاتل مع “الجيش الحر” وعنصر داعش على معرفة بذلك، فكان يهدده في حال لم يمارس الجنس معه سيلفِّق له تهمة التواصل مع “الصحوات” (مصطلح يطلقه مقاتلو تنظيم داعش على عناصر الفصائل الثورية)، “أقصد بممارسة الجنس أن المدني هو من يمارس الجنس مع الداعشي؛ لكون الأخير هاويَ جنسٍ”، يؤكد “الشاوية”.

كان المدني يعمل في مجال تصليح السيارات هو الآخر، وعندما يعود الداعشي من نوبة “الرباط” يمر من جنب محل المدني ويصطحبه خلفه على دراجته النارية ويذهبون لمنزله.

فضح الجيران قصتهما، وفي إحدى الليالي اعتقل تنظيم داعش رجلهم وطبَّق عليه حد اللواط، بينما اختفى المدني.. ولا يُعرف أين هو اليوم، شأنه في ذلك شأن الكثير من الرجال الذين اختفوا بحثاً عن حياة أخرى، بعد العنف الجنسي الذي تعرضوا له.

 

 

 

 

 

عربي بوست