في معرض الحديث عن المهرجان الثقافي، الذي كان يقام في قرية الملاجة السورية يدور هذا الحوار بين المذيع السوري أنس أزرق (في برنامج “المنعطف” على قناة “سوريا”) وضيفته الشاعرة رشا عمران:

“أزرق: محمد عمران كان إلى حدّ ما جزءاً من النظام.
رشـا عمـران: مثل كل المثقفين الذيـن كانوا..

أزرق: وكـان بعثيـاً.

رشا عمران: طبعاً، هو ممن أسسوا “حزب البعث” في مراحل النضال السري للحزب، وترك في العام 1963. محمد عمران أو غيره من المثقفين، الكل، ما كان في حدا… إذا بدنا نحكي بموضوعية أكثر، حافظ أسد، أظن، لم يسجن كاتباً سورياً، لمجرد أنه كاتب. كان يسجن الكتاب المنتمين لأحزاب سياسية. لكن الكاتب حكى، أو الكاتب أعطى رأي، أو الكاتب شتم.. حافظ أسد كان ذكياً، ديكتاتور ذكي. على عكس بشار الأسد.”
عبارة “حافظ أسد لم يسجن كاتباً سورياً”، تذكّر بجدل قديم، حول أن حافظ الأسد لم يسجن صحافياً (وكأن لدى الرجل احتراماً خاصاً للكتاب وأصحاب الرأي!) ، وهي عبارة أطلقها إعلاميو النظام السوري للقول إن النظام لم يسجن صاحب رأي، وإنما مخالفين للقوانين! كان من السهل أيامها أن يقال لصحف العالم إن لا معتقلي رأي في سوريا، لأن قلة من سيجرؤون آنذاك على القول إن النظام نهض على قمع الرأي، والأقلام الحرة لصحافيين وكتاب. ولم يكن من المجدي أن يجادل الناس في تلك العبارة، فحين تعترض وتأتي باسم كاتب اعتقله الأسد الأب سيجد أنصار تلك المقولة أن من الأسهل التشكيك بأن هؤلاء كانوا كتاباً أو صحافيين من الأسـاس: “ومن أين لفـلان أن يكـون كاتبـاً”.
هذا يذكر أيضاً بحادثة شهيرة رفض فيها الشاعر أدونيس توقيع بيان للمطالبة بالإفراج عن مواطنه الشاعر السوري فرج بيرقدار متذرعاً بأنه “لا يعرف شاعراً بهذا الاسم”. (هذا مثلاً كاتب اعتقله الديكتاتور الأذكى، إلى جانب كثيرين غيره، من كتّاب ومسرحيين وصحافيين).
من جهة ثانية، ما هذا الميل للتبرير لأشخاص عبر اتهام شعب بأكمله! تقول إن فلاناً كان مع النظام فيأتي التبرير “ومن لم يكن مع النظام في تلك الأيام؟”. الطريقة نفسها استخدمت أخيراً في جدل دار حول أنس أزرق (صاحب البرنامج ومدير تلفزيون “سوريا”)، فعندما قيل كيف يمكن الركون إلى إعلامي كان حتى وقت متأخر من سنوات الثورة السورية مراسلاً لـ “المنار”، تلفزيون “حزب الله”، مقدماً عبرها رسائل مصورة لم يقدر عليها حتى جوزف غوبلز نفسه، عندما اتهم الثوار السوريين بأفظع الاتهامات، قال المدافعون عنه “ومَن من الشعب لم يكن مع النظام؟”، هكذا، ببساطة، لم يجدوا طريقة للدفاع عن أزرق إلا باتهام شـعب بأكمـله.

حكمت المحكمة

تحت عنوان “سوريا: حكمت المحكمة” يسلط تقرير لـ “فرانس24” الضوء على جانب من حياة السجون التي تديرها الأحزاب الكردية في الشمال السوري، في تلك المنطقة التي أطلقوا عليها اسم “روج آفا”، وفي ظل دستور أسموه “العقد الاجتماعي” طال، حسب التقرير، النظام القضائي وطريقة إدارة المحاكم وطريقة تطبيق العدالة.
ورغم أن التصوير وزيارة مراسلة القناة الفرنسية (مايسة عواد) كانا تحت بصر الأكراد وإدارتهم، إلا أن التقرير نجح، إلى جانب تصوير جانب من السجن والمحاكم ومقابلات مع القضاة والسجانين والمساجين، في تصوير هيمنة الزعيم الكردي الجاثمة صوره فوق المكان، فلم تقصّر الكاميرا في التقاط صور الزعيم الكردي، وخصوصاً تلك الصورة الهائلة لأوجلان في قلب المحكمة، والتي يجري النطق بالأحكام في ظلّها. بل إن المراسلة لم تتردد في الاستنتاج: “تكريس قيم الاعتدال تعني هنا استبدال أيديولوجية بأخرى”.
ما من محامي دفاع هنا، ولا استئناف، هناك فقط تخفيف أحكام معتمد بناء على تقارير حسن سلوك، تبنى على المداومة في قاعة المحاضرات، في التخلص من الأفكار العنصرية والتخريبية، كما يرد في وصف أحد المخفف عنهم، وهنا يقول أحد المشرفين: “كثر بعد ما خلصوا محكوميتهم انضموا للعمل في مؤسسات روج آفا، مدنية أو أمنية أو عسكرية. ناس وصلت للشهادة والتضحية بأرواحهم بعد خروجهم”.
يقول التقرير إن الإدرايين يرون في السجن إعادة تثقيف للسجناء، إبعاداً لهم عن التطرّف. ويؤكدون “أن الممارسات العنيفة ممنوعة هنا تطبيقاً لتعاليم عبدالله اوجلان المسجون هو نفسه في تركيا”.
“هذه العقيدة قد تكسب أتباعاً جدداً خلف القضبان”، يقول التقرير، ويرينا كيف يرسم السجناء صور القائد (لم يُلحظ أي خبر عن إجبار لعبدالله أوجلان في سجنه على رسم اردوغان)، لكن ذلك يبدو بديهياً في سجون الأحزاب الكردية، أن يُرسَم القائد اوجلان، بعد أن تقرأ كتبه الخمسة، ممن لم يكن من قبل يعرف عنه شيئاً.
لسنا نناقش في السياسة هنا، لسنا نجادل في حق الناس في عبادة القائد والتبشير بعقيدته، إنما نتحدث عن أصول المحاكمات، وأي حياد يبقى حين يكون الزعيم هو قوس المحكمة، وحين يصبح التدرب على أفكار حزب بعينه، بل زعيم بعينه، هو النجاة والخلاص.
ثم أليس في إجبار سكان منطقة تعج بأجناس شتى بعقيدة حزب قومي واحد، أليس في ذلك إعادة إنتاج لـ “البعث”؟ وهذا في أقل الأحوال؟ أي عدالة إذاً، وأي صورة للدول الموعودة؟

 

 

 

راشد عيسى | القدس العربي