“تعتزل نور العمل الصحافي والإعلامي وتتفرغ لبيتها ومطبخها، لكن تفاجأ بأن الواقع السياسي والإخباري يفرض نفسه في كل غرفة في بيتها”. هكذا يقدم برنامج “نور خانم” على تلفزيون “سوريا”، الذي افتتح أخيراً في اسطنبول، لحلقته الأولى من البرنامج، كأنما ليكون هذان السطران ذريعة لربط كل ما يرد في البرنامج بعالم الطبخ. لكن لماذا المطبخ؟ وهل يحتاج البرنامج التلفزيوني إلى ذريعة أساساً؟
بات المطبخ لازمة للعديد من الفعاليات الثقافية والفنية، الإعلامية السورية المعارضة (لم تتردد إحداها في إطلاق تسمية “ليالي المشبّك” على بعض نشاطاتها)، على ما شاهدنا من قبل في غير مدينة أوروبية، وكأن ما من طريقة لجذب الآخرين إلى الموضوع السوري إلا عبر هذه الوسيلة.

وهنا، في “نور خانم” (يبدو أن “خانم” لزوم الإقامة التركية، حيث تتخذ القناة مقراً لها) تبدأ نور حداد، مقدمة البرنامج، حلقتها برواية نكتة عن طبخة الملوخية، تقول إن ولداً يسأل أمه يوم السبت ماذا طبخت فتجيب “ملوخية” فيصرخ بفرح، ثم يسألها في اليوم التالي ما طبخت فتقول مجدداً “ملوخية”، يفرح الولد ولكن بحماس أقل، وهكذا في كل يوم يسأل ويأتي الجواب نفسه، ولكن انطباع الولد هو الذي يتغير، كل يوم أقل حماساً، إلى أن نعود من جديد إلى يوم السبت ليصرخ الولد من جديد بفرح: “ملوخية”!
هي نكتة أداء، أي أن على الراوي أن يبرع في إظهار الفارق في انطباعات الولد، الانطباع الذي يأتي تبعاً لاسم اليوم لا حسب الطبخة، ولم تعط المذيعة النكتة حقها.

قفزتْ فوراً إلى المغزى المراد: “نحنا السوريين هيك صاير معنا”. لكن الشرح الذي قدمته لا يظهر تطابقاً بين مغزى النكتة وحال السوريين.
تحدثت حداد عمّا أسمي تسويات خروج المدنيين (تهجيرهم على نحو أدق) التي بدأت من أحياء حمص، وحلب ووصولاً إلى احتمال تسوية مماثلة في غوطة دمشق الشرقية. فأي تشابه بين هذا الأمر ونكتة الملوخية إياها!
هذا الزج بنكات غير موظفة، وبتعليقات ليست في محلها، إلى جانب محاولات تخفيف الدم في مسعى لتقليد أداء الممثلة السورية سامية جزائري في “عيلة خمس نجوم”، هو عماد الحلقة. بل لقد بات هذا هو الأسلوب الذي يميز المذيعة عموماً.
في “نور خانم” ليست المشكلة في الأداء وحسب، الأهم في الفقرات والتعليقات المعدّة، في كيفية توظيف التصريحات والمواقف، الصور والفيديوهات، ثم في هذا الإصرار على زج مفردات الطبخ في السياسة والمواقف، ما هذا الولع الطفولي بكوميديا المطبخ: نشرة أخبار المطبخ. بيان كامل الدسم. مطبخ التحليل. لتّ وعجن. مقادير بيان اليونسيف (هنا تستخدم أغنية لوردة الجزائرية المعروفة “مقادير)!
لم تكتف الحلقة بذكر مفردات الطبخ، فلقد قررت المذيعة أن تقطّع خضرواتها فعلاً أثناء إعدادها الطعام مع جارتها، وبالطبع كان علينا أن نصغي كل الوقت إلى كل طقوس الثرثرة.
لحظة الرعب، بالنسبة للمشاهد، كانت في فقرته الأخيرة، عندما استضافت المذيعة الممثلة السورية عزة البحرة، للحديث حول “تمكين المرأة”، والحلقة كلها كانت بمناسبة “يوم المرأة”، فقد قررت المذيعة أن تصنع القهوة لضيفتها مباشرة أثناء الحوار، هكذا بتنا مشغولين كل الوقت مذعورين أن تفور القهوة، ولم يكن الأمر بأيدينا، كان ذلك بسبب عيني المذيعة المشغولة بإعداد القهوة، بل إن كاميرا المخرج نفسها لم تقصر في تصويب الكاميرا على ركوة القهوة وحدها في أكثر من لقطة.
الحمدلله أن الأمر (إعداد القهوة) قضي من دون مشاكل، الخسارة الوحيدة كانت أننا لم نتمكن من الاستماع إلى حوار الفنانة السورية.
دعوْنا الله أن لا تقرر نور خانم إعداد طبخة من العيار السوري الثقيل في حلقات مقبلة. قلوبنا الضعيفة لا تحتمل.

حمصود شو

ظهر برنامج “حمصود” على قنوات التواصل الاجتماعي منذ سنوات. وهو لشاب سوري استفاد من فضاء اليوتيوب ليتابع عثرات المسلسلات التلفزيونية العربية ويوجه انتقادات بدت ذكية وسديدة في أغلب الأحيان، مع أن “اليوتيوبر” نفسه (واسمه عبدالرحمن دندشي) لم يكن حضوره خفيفاً، كما ينبغي لحمصيّ (نسبة إلى مدينة حمص، معقل النكتة السورية).
“حمصود” جرى تبنّيه أخيراً من “تلفزيون سوريا”، حيث كرّس الأخير للشاب برنامجاً يحمل اسم “حمصود شو”.
ما ظهر من البرنامج حتى الآن هزيل للغاية، أسوأ ما في الأمر أن مقدمه بدا ثقيل الظل (هذا ما يصعب معالجته)، مترهل الأداء، لا يمت على الإطلاق بأي صلة لخفة الدم الحمصية.
أما بخصوص المحتوى فخذوا هذا المثال: يعلّق البرنامج على خبر اعتزال الممثل والمخرج السوري سيف سبيعي (وهو خبر قديم يعود لشهر مضى، وقد جرى نفيه، ويفترض أن تكون أخبار “حمصود” طازجة وحارة أكثر من ذلك بقليل).
اتخذ المذيع من خبر اعتزال سبيعي ذريعة للكشف عن الأداء الرديء لدى ممثلين آخرين، وراح يستعرض فيديوهات من مسلسلات بالإضافة إلى تصريحات لفنانين آخرين.
وتساءل: “مين راح يبقى؟”: ثم أكد “وإذا كنا (سابقاً) سخرنا من الفنان سبيعي وغيره فهو من مبدأ حبنا له”، ويضيف “مشان هيك نحنا حزينين على هذا الخبر”، قبل أن يختم بأسى: “لهدول تركتونا؟”.
“حمصود شو” يحزن ويتفجّع على مصيرنا بعد اعتزال سبيعي، بالضبط في وقت يعرض فيلم من بطولة الفنان المعروف في دمشق هذه الأيام بعنوان “رجل الثورة” من إخراج نجدت أنزور، وهو يجهد (كما يقول مشتغلو العمل أنفسهم) في دحض الروايات الإعلامية المناهضة للنظام السوري، وخصوصاً تكذيب حقيقة “الخوذ البيضاء” (رجال الدفاع المدني السوري الذين يعملون في مناطق سيطرة المعارضة، وكانوا شهوداً على إجرام النظام وكذلك الإجرام الروسي).
وبالمناسبة، دعك من موقف الفنان سبيعي الموالي للنظام، هل هو نموذج المبدع الذي يؤسف عليه عند اعتزاله؟ هل هو بمثابة سعاد حسني، أو أحمد زكي، أو أياً من المشاهير الذين ينتظر الجمهور أعمالهم بصبر متحرّق”!

أشدّ من القتل!

“الهدنة أشدّ من القتل”. منشور للممثل السوري وائل رمضان قد يعبّر عن موقف عدد كبير من فناني النظام السوري، المطالبين بحسم سريع في غوطة دمشق الشرقية، ولو على جثث الأطفال والنساء والمدنيين، والرافضين لأي هدنة مع ذلك الجزء المنكوب من البلاد.
عبارة تتواءم مع موقف الفنان المساند على الدوام للنظام، لكن ما لا يمكن فهمه أي سرّ في هذه القسوة غير العادية من قبل هؤلاء الفنانين يجعل تصريحاتهم أقسى مما يقوله المقاتلون على الجبهات!

 

 

 

 

القدس العربي | راشد عيسى