أحد أكثر المواقف غرابة التي تعرضت لها كانت عندما أخبرتني إحدى الصديقات في الجامعة عن حقي بكوني طالبا جامعيا بالمطالبة بدعم مادي لمساعدتي على دفع إيجار شقتي. رددت بقولي إن هذا لأمرٌ عظيم ولكن من المؤكد أن هذا الأمر لا يخصني، فأنا طالب ذو جنسية سورية، ولا يعقل أن تقوم الحكومة الفرنسية بدعمي ماديا لدفع جزء من الإيجار، ليست مجبرة على هذا، الطلاب الفرنسيون هم الأحق، وليس من الموضوعي أن تقوم الحكومة باجتذاب الطلاب الأجانب وأن تقوم بدفع شيء لهم. ولكنها أصرت عليّ أن أذهب للسؤال عن هذا الأمر و أن أتبيّن فعلا إن كان هذا الأمر متاحا لطلاب مثلي، وفعلا ذهبنا معا وسألنا الموظف المسؤول وأخبرني أن الحكومة ستدفع لي شهريا ١٣٠ يورو من أصل ٣٠٠ كنت أقوم بدفعها كإيجار شهري.

وعند قولي إنني لست فرنسيا وإنني من جنسية سورية، قال الموظف لي: أهلا بك من أينما أتيت، أنا لم أسألك من أي بلد أنت، إنك موجود بإقامة شرعية ومن واجبنا أن نكفل للجميع حياة كريمة. خرجت من المكتب وأنا مقشعر البدن، وتوجّهت إلى أقرب هاتف عام موجود في الطريق واتصلت بأبي وأخبرته بالقصة، فرح والدي وأخبرني أنني لم أرَ شيئا بعد وأن هذا غيض من فيض وبهذه التفاصيل تكتسب الدولة الاحترام من مواطنيها ومَن يقيم على أرضها.

دخلت الجامعة فوجدت أن مَن يقوم بتدريسنا هم مجموعة من العلماء والباحثين، وأن المحاضرات كانت تتحدث اليوم عما تم نشره البارحة في أرقى المجلات العلمية العالمية. البساطة في الوصول إلى هؤلاء العلماء كانت مثيرة للدهشة لدي، كنت أتوقع منهم أن يكونوا متعاليين نسبة لمكانتهم، وبمجرد اقترابي للحديث معهم كانت هناك دوما بسمة لطيفة ترتسم على وجوههم بإشارة منهم باستعدادهم لذلك، فقط تقدّم وتكلّم واسأل وتعلّم. درست علمهم في كتبهم وطبقته واختبرته في اليوم التالي في مخابرهم، فأتقنته وفهمته وترسّخ ولم أنسه قط.

ترفّعت عاما بعد عام، تطور العلم وارتقينا معه، شعرت بالمعنى الحقيقي لكلمة مواطنة، فأصبحت أغار على جامعتي ومدينتي وهذا البلد. تابعت تلفازهم واستغربت أن ما يقابل الاتجاه المعاكس لديهم لا ترتفع فيه نبرات الصوت كما يحدث على طاولة فيصل القاسم. شاهدت الانتخابات الفرنسية في عام ٢٠٠٢ حيث خسر اليسار وانتصر حزب اليمين المتطرف بقيادة لوبين الأب ليواجهه جاك شيراك في الدورة الثانية. أذكر حينها رن هاتفي ثلاث مرات، كان رفاقي في الجامعة يتصلون بي ليعلمونني أن فرنسا ليست عنصرية، وأنهم يأسفون لما أرى من نتائج الانتخابات، لم أكن أعرف بمَ أرد! كنت أتلعثم في كل مرة أحاول تحريك عضلات لساني لأقول لهم: شكرا من القلب.

حتى الدرس الوطني الأول في حياتي لم يكن عبر ما تم حشوه برأسي من كتب القومية العربية وأفكار حزب البعث وما لف حولها، ولكني تعلّمته عندما أعلمني صديقي الذي قد صوّت لليسار في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية أنه سيذهب في الجولة الثانية للتصويت لمن يعتبره خصمه السياسي رئيس حزب اليمين جاك شيراك، ليكون صوته حاجزا أمام المرشح الآخر لوبين، فالهدف هو إنقاذ الوطن من المتطرفين، حتى ولو استدعى ذلك الأمر الوقوف إلى جانب الخصم.

كان درس العلمانية الأول في حياتي على صفوف الجامعة، حيث قام بروفيسور الكيمياء في السنة الثانية بالطلب من صديقي الذي كان يجلس بجنبي حينها أن يقوم بإخفاء الصليب الذي يرتديه على رقبته خلال المحاضرة، لأن الجامعة هي مكان يتبع للدولة والدولة علمانية، ولا مكان للإشارات الدينية في الأماكن الحكومية، فقام صديقي بإخفاء سلساله تحت قميصه.

ما لم يكن يعرفه ذاك البروفيسور المسيحي الأصل أن صديقي لم يكن يرتدي صليبا، ولم يكن مسيحيا أصلا، صديقي كان فرنسيا تركيا من الطائفة العلوية، وما كان في رقبته هو سيف علي الذي يرتديه العلويون بشكل عام، ولكن شكل السيف اختلط على البروفيسور الذي اعتقده صليبا. تخيلت لوهلة ماذا ستكون نتيجة التصرف لو كان هذا الموقف حصل في مدرجات جامعتنا سواء أكان الشخص يرتدي سيفا أو صليبا أو حجابا أو حتى قلنسوة؟ هل كان سيمر الأمر بشكل عابر أم كان سيؤخذ على منحًى شخصي، ولربما كنت أنا نفسي اتهمته حينها بالعنصرية.

الوطن هو ذاك المكان الذي أثبت على مر السنين أن سكانه على اختلاف أعراقهم ودياناتهم ومعتقداتهم وحتى جنسياتهم هم سواسية، الوطن هو المكان الذي يعطيك اليوم وغدا دون انتظار رد أو مقابل

كانت تكلفة جامعتي 5 يوروهات في العام الواحد والتأمين الصحي 20 يورو، وبهذه الكلفة المتواضعة تخرّجت في جامعة تُعدّ من أرقى الجامعات على الصعيد العلمي والتعليمي. وما يؤلمني أنه في يومنا هذا أجد أن هناك مَن يتباهى بأن الجامعة السورية مجانية، القوة ليست بمجانيتها، القوة أن تكون مجانية وأن تصارع على قيادة دفة الأبحاث العالمية. فقسما لولا طلاب جامعاتنا بسوريا أنفسهم، ورغبتهم بالتطوير والتعلم والتحسين لتحولت تلك الجامعات إلى حانات أو -بأفضل تقدير- إلى مؤسسات تبيع الفاكهة والخضار.

عند دخولي إلى درجة الماجستر طلبت منا الجامعة أن نقوم بالبحث عن مخبر لنكمل من خلاله تدريبا عمليا في مجال العلوم لمدة ثلاثة أشهر، قابلت حينها باحثا يعمل في مجال الفيروسات، وبالأخص فيروس النيباه المعروف بفتكه لمضيفه بشكل قوي وسريع وفعّال. ولمن لا علاقة له بعلم الفيروسات لا من بعيد و لا من قريب، كل ما عليك معرفته أن الفيروسات تقسم إلى أربع درجات نسبة لخطورتها، والمخابر التي تحتوي على الفيروسات من الدرجة الرابعة هي نادرة ومحصنة في العالم وأحدها يقع في الضاحية الجنوبية لمدينة ليون الفرنسية. كان هذا المركز تابعا لوزارة الدفاع الفرنسية، ومن يود العمل فيه إن كان كباحث أو كمتدرب طالب مثلي عليه أن يقوم بمقابلة مع رجل أمن يقوم بدوره برفع تقرير إلى وزارة الدفاع والمخابرات الداخلية معا ومن بعدها تتم الموافقة بعد شهرين أو لا.

أذكر أني أخبرت صديقا لي أني أنتظر جوابا من الوزارة لطلبي، فكان جوابه -وهو الفرنسي ذو الأصول المغربية- أن عشمي كبير ولكنني سأواجه الحقيقة قريبا وسيأتيني الرفض، فالمؤامرة مُحاكة سلفا، لن يسمح هؤلاء الفرنسيون لنا نحن العرب بالوصول إلى مراكز كتلك، حجب المعلومة واجب عليهم فهم يكرهوننا ويسعون دائما لدفعنا إلى الوراء. وجاء الجواب أسرع مما توقعت، فتحت الرسالة ممزقا الظرف ويدي ترجف، مهزهزا رأسي وكأني أقول لنفسي لماذا أقوم بفتح الرسالة وأنا سأقابل بالرفض؟ لن يسمحوا لسوري مثلي أن يكون جزءا ولو ليوم واحد كمتدرب في هذا المخبر الحساس، وقرأت حينها جملة “يسعدنا استقبالك في المخبر يوم الاثنين المقبل عند الثامنة والنصف صباحا”، قمت بإتمام تدريبي واكتسبت خبرة وأصدقاء ومعارف وما زال صديقي يؤمن أن المؤامرة مستمرة، فلا داعي من المحاولة أبدا.

أستطيع قص المئات لا بل الآلاف من تلك القصص التي مررت بها، كل قصة على حدة ليس لها معنى، ليس لها قيمة، ولكن إن جمعتهم معا ستفهم تماما لماذا شعرتُ بمواطنة لم أكن أشعر بها في بلدي الأم، مع أني من عشاق دمشق، وعابد لجمال سوريا، فروحي هناك وذكريات طفولتي وأهلي وجيراني ورفاقي وكل ما جعل مني إنسانا عرفته هناك. كم آمل لبلدي أن يكون الأول في كل شيء، أرغب أن أمشي في أي بقعة من بقاع الأرض وأن أكون متباهيا بما صنعه بلدي مني.

إن وجودي في فرنسا، وطريقة معاملة شعبها ودوائرها الحكومية لي كان بمنزلة المربي الجديد، أصبحت مواطنا، برقبتي دين لها لن أنساه ما حييت، ترثه من بعدي ابنتي ذات الشهرين ومن بعدها أبناؤها وأبناء أبنائها.

الوطن ليس فندقا نقيم فيه عندما يحلو لنا ونهرب منه عندما يهب فيه حريق، أوافق من قال هذا الكلام تماما، ولكن الوطن هو ذاك المكان الذي أثبت على مر السنين أن سكانه على اختلاف أعراقهم ودياناتهم ومعتقداتهم وحتى جنسياتهم هم سواسية، الوطن هو المكان الذي يعطيك اليوم وغدا دون انتظار رد أو مقابل، الوطن هو ذاك المكان الذي تسعى جاهدا للبقاء فيه لا أن تسعى كادحا لهجرته.

مجرد نقدي لما عايشته في بلدي لا يعني كرهي له، بل على العكس تماما، لا أنقد أحدا في حياتي كما أنقد أخي الوحيد، لأني أخاف عليه، أريده قويا، ناجحا، على الطريق الصحيح. نقدي لبلدي يأتي في إطار الرغبة بتحسينه ولا أكتفي بالمقال فقط.

بعد ١٦ عاما أصبحت أعي الجواب تماما عندما تساءلت عما رميت بنفسي إليه، فقد كان أجمل من أجمل حلم. في الواقع كنت أسعى ودون أن أعلم وبدون قصد لإيجاد نفسي، وأستطيع القول إن ما فقدته في بلدي الأم سوريا وجدته في بلدي الجديد فرنسا، والفضل في ذلك رفضي لنظرية المؤامرة في كل موقف أو عند كل عقبة واجهتها، وتقبلي لقواعد بلد مضيف استقبلني ودعمني وتماشى معي، ورغبة منه بدعمي غير المشروط مهما كانت قرارتي المستقبلية، بقيت فيه أم رحلت.

 

 

 

 

عن مدونة الجزيرة