عاد الحديث عن المرتزقة الروس الذين يقاتلون إلى جانب القوات السورية، أو “المتعاقدين العسكريين”، مع تنفيذ طائرات التحالف الدولي ضد داعش ضربة جوية في السابع من فبراير استهدفت قوات موالية للحكومة السورية كانت تقوم بهجوم ضد قوات سوريا الديمقراطية في خشام، شرق نهر الفرات، في محافظة دير الزور.

فمن بين المهاجمين الـ500 الذين قُتل منهم أكثر من مئة شخص، بحسب مصادر التحالف، حُكي عن وجود عشرات المقاتلين الروس.

الحكومة الروسية سارعت إلى نفي هذه التقارير ووضعتها في إطار “التضليل المعتاد”. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن فصائل موالية للحكومة كانت تنفّذ عمليات استطلاع عندما وقع الاشتباك، نافيةً أي وجود لجنود روس في المنطقة.

وقال المتحدث باسم الكرملن ديمتري بيسكوف إن لا معلومات لديه عن تقارير بشأن مقتل مرتزقة روس في سوريا ولكنه أضاف أنه لا يمكن نفي ذلك بالمطلق، متابعاً: “لا معلومات لدينا بشأن وجود محتمل لروس آخرين في سوريا”.

إلا أن وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء نقلت عن زملاء للمرتزقة الروس الذين يقاتلون بشكل غير رسمي مع القوات السورية أن اثنين على الأقل منهم قُتلا في تلك الضربة، أحدهما يُدعى فلاديمير لوغينوف، وهو من جيب كاليننغراد الروسي وعمره 51 عاماً، والآخر يُدعى كيريل أنانييف.

“فاغنر”… منذ عام 2015

في تقرير نشرته في نوفمبر 2016، وثّقت وكالة رويترز مقتل شابين روسيين هما ماكسيم كولغانوف (38 عاماً) وسيرغي موروزوف (38 عاماً أيضاً)، وقد قُتل الأول قرب حلب والثاني قرب تدمر. وقالت إن جثمانيهما نُقلا إلى روسيا بواسطة طائرة عسكرية، وإن أسرتيهما تلقيتا ميداليتي شجاعة تحملان توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تقديراً للتضحية التي قاما بها في سبيل بلادهم.

ولكن الشابين لم يكونا جزءاً من القوات العسكرية الروسية الرسمية بل كانا “متعاقدين”، ضمن مئات المتعاقدين الذين تستخدمهم موسكو سراً في المعارك السورية.

ولم يتحدث أحد في العلن عن مقتلهما، وأُبلغت أسرتيهما بضرورة عدم مناقشة القضية مع أحد. وتُستخدم المغريات المادية لشراء الصمت، فقد وثّقت رويترز حالة منح أسرة أحد المقاتلين الذين قضوا في سوريا مبلغ 100 ألف دولار.

ولكن الإغراءات ليست الوسيلة الوحيدة للصمت. فقد نقلت رويترز عن زوجة أحد المقاتلين الروس الذين لقوا حتفهم في سوريا، وعمرها 55 سنة، أن شاباً هاتفها لنقل نبأ الوفاة إليها وحذّرها من الحديث في الأمر. وقالت: “لن أتحدث أبداً عن الأمر. هم أشخاص مخيفون”.

وقالت وكالة أسوشييتد برس إن العقود التي يوقعها المتعاقدون تنص على ألا يتحدثوا، لا هم ولا أفراد أسرهم، عن طبيعة عملهم إلى وسائل الإعلام.

وبحسب تقرير رويترز، “يلعب المقاتلون الروس دوراً حيوياً على أرض المعركة أكبر بكثير من الدور الذي يعترف الكرملن بأن الجيش الروسي يقوم به”. فهم يقاتلون على الجبهات الأمامية بالتنسيق مع القوات الروسية وينالون امتيازات عندما يعودون إلى بلادهم لا ينالها عادةً سوى الجنود الروس.

ينتقل هؤلاء المقاتلون من روسيا على متن طائرات عسكرية روسية تقلهم إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية أو على متن سفن تنقلهم إلى القاعدة الروسية في طرطوس. وعندما يُصابون يتلقّون العلاج في المستشفيات المحجوزة للجيش الروسي.

وقاتل الشابان الروسيان المذكوران في أوكرانيا في نفس الوحدة القتالية غير الرسمية، ومنها انتقلا لاحقاً إلى سوريا. ويقود هذه الوحدة رجل يُعرف باسمه العسكري، “فاغنر”، وهو قائد المرتزقة الروس في سوريا.

وسافر “فاغنر” إلى سوريا عام 2013، قبل عمله في قيادة مجموعة مقاتلين في شرق أوكرانيا. ثم حطّ رحاله في سوريا مجدداً عام 2015، وهي السنة التي شهدت التدخل الروسي العلني هنالك، في شهر سبتمبر.

وكشف موقع “فونتاكا” الروسي الذي يتخذ من مدينة سان بطرسبورغ مقراً له أن “فاغنر” هذا اسمه ديمتري أوتكين.

ووصف الموقع الروسي فاغنر بأنه عاشق لإيديولوجيا الرايخ الثالث النازي وقال إن اسمه العسكري مأخوذ من اسم المؤلف الموسيقي الألماني ريتشارد فاغنر الذي كان هتلر يعتبره الموسيقي المفضّل لديه.

3000 متعاقد روسي في سوريا

بدورها، وثّقت وكالة أسوشييتد برس في تقرير نشرته في ديسمبر الماضي، مقتل شاب روسي يُدعى إيفان سليشكين (23 عاماً) في سوريا، مؤكدة أن اسمه لم يرد ضمن اللائحة الرسمية لأسماء قتلى الجيش الروسي. وكان هذا الشاب قد انضم إلى قوات “فاغنر” لجني المال استعداداً لزفافه.

وبحسب موقع “فونتاكا”، عمل في سوريا نحو 3000 متعاقد روسي، تحت غطاء “مجموعة فاغنر”، منذ عام 2015، وبدأ عملهم قبل أشهر من التدخل الروسي الرسمي، وبلغ عدد المتعاقدين المنتشرين في سوريا في بعض الفترات 1500 شخص.

وكشفت أسوشييتد برس أن المتعاقدين الروس يحرسون حقول النفط والغاز، بموجب عقود موقّعة بين الحكومة السورية وشركات روسية مرتبطة برجل أعمال معروف بلقب Putin’s chef بسبب صلاته الوثيقة بالكرملن.

وPutin’s chef يُدعى يفغيني بريغوزين، واسمه مدرج ضمن لائحة عقوبات أميركية بسبب نشاطه في أوكرانيا. ومن الشركات المرتبطة به شركةEvro Polis، وهي شركة مسجّلة في موسكو وتشكّل، بحسب موقع “فونتاكا” واجهة لعمل “مجموعة فاغنر” في سوريا.

حصلت أسوشييد برس على نسخة من عقد يتألف من 47 صفة بين Evro Polis وبين المؤسسة العامة للنفط، وهي مؤسسة عامة سورية، تنال الشركة بموجبه 25% من إنتاج حقول نفط وغاز تتولى تأمينها من خطر داعش.

ونشر كل من “فونتاكا” وفريق CIT الاستقصائي صوراً من التدريبات التي يتلقاها أعضاء مجموعة فاغنر في قاعدة كرازنودار في جنوب روسيا، وقالا إن التجهيزات الموجودة فيها تشبه تلك الموجودة في قاعدة مولكينو التابعة لوزارة الدفاع والموجودة في نفس المنطقة.

ونقلت صحيفة “دايلي ميل” البريطانية عن متعاقد روسي أن المتعاقدين الروس يمكنهم في سوريا استئجار فتاة عذراء لمدة سنة لتلعب دور “الزوجة” مقابل 105 دولارات، كما يمكنهم شراءها للأبد بأقل من 1100 دولار.

وكشف أن المرتزق يجني شهرياً نحو 2750 دولاراً، في حين كان تقرير لمحطة “سكاي نيوز” قد نقل عن شهود أن راتب المرتزق الشهري حوالي 4200 دولار. وقد يكون سبب تضارب الأرقام طبيعة عمل ومهمات كل مرتزق.

كما روى أن المتعاقد الذي كان يأتي برأس مقاتل من داعش كان يحصل على 5000 روبل (90 دولاراً) كمكافأة ولكن بسبب كثرة الرؤوس التي قُطعت نزلت المكافأة إلى 1000 روبل (24 دولاراً).

وأفاد بأن أسرة المتعاقد الذي يُقتل تحصل على نحو 55 ألف دولار، فيما يحصل المصاب على حوالي 16 ألف دولار. وأيضاً قد تكون قيمة هذه التعويضات خاضعة لطبيعة عمل ومهمات كل مرتزق.

وقال إن شركتين للمرتزقة تعملان حالياً في سوريا هما شركة فاغنر وشركة توران.

وروى أنه في بداية عمليات تجنيد المرتزقة، كان الاختيار صارماً وكانت المنافسة عالية. ولكن لاحقاً، صارت شركات المرتزقة تقبل تجنيد أشخاص غير أكفاء، مشيراً إلى أنه شاهد شخصاً بيد واحدة يحمل رشاشاً وتساءل: “كيف له أن يطلق النار؟”، مستنتجاً أنها صارت تحظى بعقود تتقاضى بموجبها مبالغ عن عدد المرتزقة الذين توفّرهم.

لماذا السرية؟

تشهد روسيا بين حين وآخر سجالات حول مقتل مواطنين روس يعملون كمرتزقة في سوريا.

ومؤخراً، دعا السياسي الروسي المعارض غريغوري يافلنسكي، وهو مرشح ضد فلاديمير بوتين في الانتخابات الرئاسية القادمة، الرئيس الروسي إلى الاعتراف باستخدام مرتزقة في سوريا ومصارحة الشعب الروسي بحجم الخسائر.

وأشار يافلنسكي إلى أن هؤلاء المرتزقة يتلقون تدريباتهم في قواعد عسكرية تابعة للجيش الروسي وينالون مكافآت عسكرية من الكرملن.

ولكن الحكومة الروسية لا تعترف باستخدامها شركات خاصة في الأعمال القتالية في سوريا، علماً أن القوانين الروسية تجرّم العمل في تعاقدات عسكرية خارج البلاد.

وبعد نشر تنظيم داعش في أكتوبر 2017 فيديو يظهر فيه أسيران روسيان كانا يقاتلان في سوريا، عرّف أحدهما عن نفسه باسم رومان زابولوتني والآخر باسم غريغوري تسوركانو، نفت وزارة الدفاع الروسية كونهما جنديين روسيين، إلا أن وسائل إعلام روسية تحدثت عن عملهما في “مجموعة فاغنر”.

ويسمح الاستخدام السري للمتعاقدين الروس بتسويق فكرة تدنّي حجم خسائر القوات الروسية في سوريا. فالجيش الروسي يعلن أن عدد قتلاه في سوريا يبلغ 41 جندياً.

بحسب موقع “فونتاكا”، قُتل 73 متعاقداً خاصاً هناك. ولكن بحسب فريق CIT، وهو فريق استقصائي، قُتل في سوريا 101 متعاقداً، وكلّ واحد من المصدرين يقول إن هذه التقديرات محافظة (الأرقام قبل ضربة السابع من فبراير).

وتتضارب تقديرات قتلى المتعاقدين الروس جداً. فقد نقلت قناة “سكاي نيوز البريطانية” في أغسطس 2016 عن متعاقدين روسيين قولهما إن 500 إلى 600 متعاقد روسي قُتلوا في سوريا وقال أحدهما “لا أحد سيعرف شيئاً عنهم. هذا هو الأمر المخيف”.

ونقلت صحيفة “دايلي ميل” البريطانية عن الموظف السابق في الاستخبارات الروسية إيغور ستريلكوف قوله إنه في الأسابيع القليلة الماضية، قُتل 644 متعاقداً روسياً في سوريا، كثيرون منهم في ضربات شنتها طائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

ما هي أسباب كل هذا التكتم؟ يقول الباحث في معهد العلاقات الدولية في براغ مارك غاليوتي إن “الشعب الروسي ليس متحمساً لفكرة إمبراطورية تُعيد إليه شبابه في أكياس جثث”، مضيفاً: “بوجود مجموعة فاغنر العسكرية، يمكنهم استخدام مقاتلين، ولكن حين يموتون لا يضطرون للإعلان عن وفاتهم”.

وسبق أن عانت الحكومة الروسية أثناء حرب جيشها في إقليم الشيشان من امتعاض الروس بسبب الأعدد الكبيرة للجنود القتلى، ويبدو أن الحكومة الحالية تعلّمت الدرس.

وقال مؤسس CIT روسلان أوفييف إن متابعتهم للنزاع تؤكد لهم أن عناصر مجموعة فاغنر يقاتلون على الخطوط الأمامية. وأضاف: “نعتقد أنها استراتيجية تتبعها وزارة الدفاع الروسية: إرسال مرتزقة إلى المناطق الحامية، تجنّب إعلان خسائر في صفوف القوات الرسمية وإبقاء صورة العملية العسكرية الناجحة”.

تحتاج روسيا إلى قوات تنفّذ عمليات خطرة على الأرض السورية، فمن ضمن أهدافها منع عودة المقاتلين الجهاديين الشيشان إلى البلاد والسعي إلى التخلص منهم وهم في سوريا. وهذا قد يفسّر معلومات وردت في تقارير كثيرة عن أن كثيرين من المرتزقة هم من القوميين الروس المتشددين.

ويقول المحلل العسكري بافل فيلغنهاور إن استخدام المتعاقدين العسكريين صار أمراً ثابتاً في “الحروب الهجينة” التي يخوضها الروس، بدءاً من شبه جزيرة القرم، مروراً بإقليم دونباس الأوكراني، والآن في سوريا.

وهذا الأسلوب الروسي ليس أسلوباً جديداً. فقد استعانت الولايات المتحدة بشركة “أكاديمي” الأمنية (“بلاك ووتر” سابقاً) لتنفيذ مهمات قتالية في العراق وأفغانستان.

وروى متعاقد روسي لتلفزيون “سكاي نيوز” أنه أحياناً تُدفن جثة المتعاقد القتيل في سوريا ولا أحد يعلم بمقتله وتقول الصحف إنه مفقود وأحياناً يأتي في أوراق وفاته أنه قُتل في إقليم دونباس الأوكراني أو قضى بحادث سيارة.

.\.\

حسن عباس