يجلس محمد فطيمي، صاحب الـ67 عاماً، في بهو بيته بمنطقة ششار بولاية خنشلة (500 كم شرق الجزائر)، متأملاً في صورة ابنه نعيم، الذي قضى نحبه بشوارع مارسيليا الفرنسية في 27 ديسمبر/كانون الأول 2017، بعد تعرُّضه لطلقات نارية من قِبل مجهولين وهو يرتشف فنجان قهوة مع الزملاء بأحد النوادي هناك.

محمد ظن في البداية، ومعه كل الجزائريين، أن الحادثة معزولة، ومثل هذه الجرائم يمكن أن تحدث في أي منطقة بالعالم، قبل أن يتكرر الأمر 7 مرات: إطلاق نار، الاعتداء بالسلاح الأبيض والذبح من الوريد إلى الوريد، والضحايا هم جزائريون مقيمون بفرنسا.

 

كرونولوجيا الجرائم

 

نشرت وسائل إعلام محلية في الجزائر، متابِعة لجرائم القتل التي لاحقت الجزائريين في شوارع باريس، وليون ومارسيليا، وأثارت الرعب في أوساط الجالية هناك، نشرت تسلسل الأحداث الدامية التي مزقت قلوب العائلات.

ففي 27 ديسمبر/ كانون الأول 2017، بدأت أولى حلقات مسلسل الرعب بمقتل المغترب الجزائري نعيم فطيمي (26 عاماً)، من ولاية خنشلة، بعد تعرُّضه لعملية إطلاق نار من طرف مجهولين عندما كان رفقة أصدقائه بأحد مقاهي مدينة مرسيليا الفرنسية.

سليم، أخ الضحية، يقول لـ”هاف بوست عربي”، إن أخاه خرج من المسجد، قبل أن يدخل المقهى رفقة أصدقائه، “وهناك باغتته مجموعة ملثمة من 3 أشخاص وقاموا بإطلاق النار عليه حتى أردوه قتيلاً، وتركوا أحد أصدقائه في تعداد الجرحى”.

ويضيف: “أخي متزوج بامرأةٍ جنسيتها سنغالية، وأب لطفل في سن السابعة، ويعمل إطاراً بمطار مارسيليا الدولي منذ سنوات، وهو الأصغر في العائلة”.

ثاني حلقة من هذا المسلسل المرعب، كان مسرحها المقاطعة الـ15 بمدينة مارسيليا، ليلة رأس السنة الميلادية الجديدة، والتي أنهت حياة يزيد زرفة، (26 عاماً)، والذي ينحدر هو الآخر من ولاية خنشلة، وبدوره تعرَّض لوابل من الرصاص.

بن زرفة كان خارجاً من محل للحلاقة، قبل أن تتجه صوبه سيارة ألمانية الصنع بيضاء اللون، أطلق من خلالها مجهولون النار على الشاب ليفارق الحياة مباشرة.

في 9 يناير/كانون الثاني 2018، اهتزت المدينة الجزائرية نفسها (خنشلة) على وقع خبر مقتل قرفي ياسين، البالغ من العمر 53 عاماً، بالعاصمة الفرنسية باريس.

الجودي قرفي، والد ياسين، يؤكد لـ”هاف بوست عربي” أن “الضحية متزوج وأب لـ3 أولاد، طفلين وبنت، تتراوح أعمارهم ما بين 19 و24 سنة، كان قد عُثر عليه مقتولاً، داخل شقته بطريقة بشعة، في الطابق الأول، بقلب مدينة باريس في فرنسا، حيث بعد ذبحه تم تجريده من ملابسه، قبل أن يغادر الفاعلون، الشقة دون أن يأخذوا منها أي شيء!”.

ويضيف الأب: “ياسين، العامل بمحطة القاطرات، متزوج منذ 1988 بامرأة تنحدر من الولاية نفسها (خنشلة)، وغادر بها إلى فرنسا، وفي أثناء الجريمة كانت الزوجة والأبناء غائبين عن البيت”.

وفي 11 يناير/كانون الثاني 2018، تم العثور على المواطن الجزائري محمدي فري،د (54 عاماً)، مشنوقاً داخل قبو عمارة تقع بحي سكني في منطقة دول (20 كم شمال مدينة ليون بفرنسا)، وينحدر الضحية من قرية الزاوية في بلدية ششار، بالولاية نفسها (خنشلة شرق الجزائر).

ثم في 19 يناير/كانون الثاني 2018، تم العثور على جثة جزائري آخر، يدعى عماد حشايشي (26 عاماً)، ينحدر كذلك من ولاية خنشلة، مقتولاً في ظروف غامضة بمدينة بورج الفرنسية، بعد 24 ساعة من اختفائه.

وفي 24 يناير/كانون الثاني 2018، أقدم مجهولون على قتل مغترب جزائري بمنطقة مارسيليا في فرنسا رمياً بالرصاص، قبل إضرام النار في جسده، ويدعى الضحية منير عركوس، يبلغ 26 عاماً من العمر، ينحدر من ولاية خنشلة كذلك، وتقيم عائلته ببجاية (270 كم شرق الجزائر).

وكان الجزائري المغترب بفرنسا جمال لاغا (من مدينة خنشلة كذلك)، قد راح ضحية جريمة قتل شنعاء في 7 أبريل/نيسان 2017، بعد أن تم رميه من الطابق الرابع عشر، وعلى جثته آثار طعنات بسلاح أبيض، في المقاطعة السابعة من مدينة مرسيليا.

آخر حلقات هذا المسلسل الدامي لحد الآن، كانت الإثنين 29 يناير/كانون الثاني 2018، بتشييع جثمان بن خيرة عبد القادر، البالغ من العمر 26 عاماً، والمنحدر من ولاية خنشلة أيضاً، إلى مقبرة مرسيليا بعد أن أُدِّيت عليه صلاة الجنازة بمسجد المدينة.

عبد القادر لفظ أنفاسه الأخيرة بمستشفى مرسيليا، متأثراً بالجروح والإصابات الخطيرة التي تعرض لها بعد إطلاق النار عليه من طرف مجهولين، حيث ظلّ ماكثاً بمصلحة الإنعاش في غيبوبة تامة، بعد إخضاعه لـ3 عمليات جراحية معقدة، من طرف أطباء فرنسيين، إلّا أنه فارق الحياة.

ومن ثم، يصل عدد الجزائريين المغتالين بفرنسا وفي ظرف شهرين 8 أشخاص.

 

الغموض يتواصل

 

الجرائم التي ارتُكبت بفرنسا وراح ضحيتها مواطنون جزائريون، تبعتها جملة من التحقيقات والإجراءات من الطرفين الفرنسي والجزائري، لكنها لم تأتِ بجديد رغم ضغط العائلات لكشف الفاعلين.

حسن عجاج، المقيم بمدينة ليون الفرنسية والذي يتابع من كثبٍ تطورات قضية مقتل الجزائري نعيم فطيمي، باعتباره صديق العائلة- يؤكد لـ”هاف بوست عربي” أن “كل الإجراءات التي قامت بها السلطات الفرنسية بالتنسيق مع مثيلاتها الجزائرية لم تتوصل لحد الآن إلى كشف مدبِّر الجريمة”.

وزارة الخارجية الجزائرية، حسب عجاج، قامت بتعيين محامٍ لمتابعة مجريات التحقيق والفصل في قضية نعيم، والأمر سيان بالنسبة للقضايا الأخرى التي راح ضحيتها أبناء البلد نفسه.

اتصالات حسن مع أقرباء وأصدقاء باقي الضحايا، باعتباره هو أيضاً ينتمي إلى ولاية خنشلة كما يؤكد، “تشير هي الأخرى إلى أن لا أحد من ألغاز الجريمة تم فكها، ومنفذوها دائماً يبقون في تعداد المجهولين والفارين”.

محمد بن عربة، عن جمعية الجالية الجزائرية بمارسيليا، هو الآخر يؤكد لـ”هاف بوست عربي”، أنه “يتابع من كثب، قضية الجرائم المتوالية في حق الجزائريين، ولحد الآن لم تتسلّم الجمعية أية نتائج نهائية للتحقيقات”.

وتأسف بن عربة أن يحدث ذلك في فرنسا التي “تأتي في طليعة البلدان من حيث محاربة الجريمة والكفاءة في التحقيقات”.

 

نريد الحقيقية.. ما الذي حصل؟

على بُعد آلاف الكيلومترات من مسرح الجرائم، تحترق أكباد العائلات التي فقدت أبناءها في ديار الغربة، وهي تطالب بفك أسرار تلك الجرائم، ومتابعة الضالعين فيها.

جودي قرفي، والد الضحية ياسين، صاحب الـ53 سنة، يصرح لـ”هاف بوست عربي”: “نريد معرفة ما حدث، لو مات ولدي في حادث سير أو عمل كنا سنتقبّل القضية كأنها عادية، لكن أن يُعتدى عليه في بيته، من خلال ذبحه وتجريده من ملابسه، فهذا ما لا يمكن أن نسكت عنه!”.

ويردف: “على الجزائر أن تتحرك، من خلال وزارة الشؤون الخارجية لحفظ هيبتها، والضغط على السلطات الفرنسية لتسليم نتائج التحقيقات لعائلات الضحايا؛ لإنهاء كل هذه الحيرة”.

سليم، أخ الضحية الآخر نعيم فطيمي، (26 عاماً)، يؤكد لـ”هاف بوست عربي”، بدوره، أنهم “وبعد جهد جهيد، تمكنوا من تسلّم جثة ابنهم من قِبل السلطات الفرنسية، لكن بعد دفنها بأسبوع بمسقط رأسه في خنشلة، جاء قرار بانتشال الجثة وأخذ تحليلات إضافية بعد تشريحها من جديد، لكن منذ ذلك الوقت لم تصل لنا أية معلومات جديدة”.

ويضيف: “لحد الآن، صديق العائلة في ليون يتابع التطورات، ولم تصل له أية نتائج، كما لم تصل لنا نحن أيضاً أية نتائج من قِبل السلطات الجزائرية”.

وكانت والدة نعيم، شمامة كورداني، وفي أثناء مراسم الدفن، قد وجهت نداء بحرقة كبيرة للكشف عن هوية المجرمين ومعاقبتهم.

 

ماذا لو كان الضحايا فرنسيين في الجزائر؟

محمد بن عربة، عن جمعية الجالية الجزائرية بمارسيليا الفرنسية، يتساءل إن كانت إجراءات التحقيق والمعاملة ستكون مماثلة لو كان مسرح الجريمة بمدن جزائرية، والضحايا هم فرنسيون.

ويضيف: “نتذكر كلنا قضية رهبان تيبحرين الذين اغتيلوا على يد الإرهاب في سنوات التسعينيات بجبال المدية الجزائرية، وعلى الرغم من أن القاتل معروف فإن السلطات الفرنسية ما زالت تضغط لمعرفة حيثيات الاغتيال، ويومياً نسمع عن تحقيقات وتحليلات ومساءلات وغيرها، تقوم بها لجان مشتركة جزائرية-فرنسية”.

ويضيف: “الجزائريون يعلمون جيداً أنه لو كان الضحايا فرنسيين، لأقيمت الدنيا ولم تقعد، ولتحركت السلطات على أعلى مستوى لمعرفة أسباب تلك الجرائم؛ لأنها تتعلق بأرواح مواطنين مغتربين تحميهم المواثيق والقوانين الدولية والداخلية للبلدان”.

 

نريد الحماية

الجالية الجزائرية في فرنسا خرجت في 18 يناير/كانون الثاني 2018، بمسيرة في الساحة الرئيسية بقلب مدينة مارسيليا، مطالِبةً السلطات الفرنسية بحمايتهم من خطر العصابات المجهولة.

وطالب المحتجون، من خلال الشعارات المرفوعة، السلطات الفرنسية بضرورة الإسراع في التحقيقات؛ لكشف هوية أفراد هذه العصابات، التي تقف وراء الأعمال الإجرامية التي استهدفت عدداً من المغتربين وتزايدت حدتها في الفترة الأخيرة.

وشدد المعتصمون أمام القنصلية الجزائرية بمارسيليا، بعد نقلهم الاعتصام إلى مقرها، على ضرورة التدخل لدى السلطات الفرنسية؛ لكشف حقيقة الجرائم التي أزهقت عدداً من أرواح الجزائريين بطريقة متتالية، ومتنوعة، بداية من قتل جمال لاغة في شهر أبريل/نيسان 2017.

 

خنشلة.. اللغز

 

غير أن النقطة الغامضة في ملف الاغتيالات الأخيرة بفرنسا والتي طالت مواطنين جزائريين، تتمثل في كون كل الضحايا ينحدرون من ولاية واحدة، وهي خنشلة (500 كم شرق الجزائر العاصمة).

عبد القادر قوداو أستاذ العلوم السياسية، يُرجع سبب تلك الجرائم إلى فرضيتين؛ الأولى تتمثل فيما يصفه بـ”العنصرية المقيتة”، المعروفة في الجنوب الفرنسي مثلها مثل الجنوب الإيطالي، كما يصرح لـ”ـهاف بوست عربي” بقوله: “كثيراً ما كان ملف هجرة الجزائريين غير مقبول من قِبل نشطاء في فرنسا، منهم أحزاب ومنظمات وحتى بعض جمعيات المجتمع المدني، وهذا ما يغذي فكرة العداء ضد الجالية الجزائرية هناك.

أما الفرضية الثانية، فيُرجعها قوداو إلى كون الضحايا يجتمعون في أماكن معينة، ويعملون أعمالاً مشتركة، بدليل أن 3 جرائم وقعت بمارسيليا وحدها”.