أثناء الانتفاضة الأخيرة فإن أعدادا كبيرة من مكاتب ومنازل أئمة الجمعة في عدة مدن إیرانية تم مهاجمتها من قبل الشعب والمنتفضين. هنا ربما يطرح السؤال. . لماذا؟

صحيفة أئمة الجمعة خلال 39 سنة من حكم هذا النظام مليئة بنهب الأموال وقتل الشعب. في كثير من المدن الإیرانية أدلة كثيرة على الجرائم والسرقات والفساد المعنوي والمادي وكذلك التعذيب وإعدام السجناء بيد أئمة الجمعة ومكاتبهم.

مع مجيء الديكتاتورية الدينية إلی إیران عن طريق الخميني عام 1979، عدا السلطات الثلاث القضائية والدستورية والتنفيذية وكذلك قوات الحرس التي تعتبر المؤسسة الرئيسية في قمع الشعب وتصدير الإرهاب والأصولية إلی خارج حدود إیران، سلطة أخرى يمكن أن نسميها السلطة الرابعة هم أئمة الجمعة والتي وجدت مكانتها الخاصة في النظام الحكومي المبني على ولاية الفقيه.

خلافا للأنظمة السابقة التي حكمت إیران، في النظام الحالي أئمة الجمعة هم أشخاص تم تعيينهم من قبل الولي الفقيه شخصيا وحدد لهم المهام الموكلة إليهم.

خلال الثماني والعشرين شهر الأولى من شباط 1979 حتى حزيران 1981 حیث لم تستطع الديكتاتورية الدينية بعد أن تفرض سيطرتها بشكل كامل على الشعب الإیراني، کانت أيام الجمعة وبشكل اسبوعي تتزامن مع اقتحام وكلاء النظام لمكاتب الأحزاب السياسية في مختلف أنحاء إیران، وذلك لأن أئمة الجمعة في خطبهم والتي كانت مفروضة عليهم من الولي الفقيه كانوا يستهدفون الحريات الموجودة بين الشعب. وكلاء النظام الديكتاتوري الحاكم أمثال حزب الله وقوات الحرس والباسيج و.. بعد رفع شعارات الموت لمعارضی ولاية الفقيه والموت ل…. في هذه المناسبات كانوا يهاجمون مكاتب الأحزاب السياسية. نتيجة هذه التهجمات استشهد عدد كبير من أعضاء التيارات السياسية المعارضة للديكتاتورية الدينية وخاصة منظمة مجاهدي خلق. لكن هذه الجرائم كانت بداية عملية دموية طويلة الأمد.

بعد ذلك خلال المظاهرات السلمية ل 500 الف شخص من مجاهدي خلق في 20 حزيران 1981 وبأوامر من الخميني شخصيا بإعدام المتظاهرين، استشهد عدد كبير بسبب هؤلاء الوكلاء. هذا لم يكن عمل أئمة الجمعة فقط حيث كانوا يحرضون الشعب على القوى السياسية والمنظمات المطالبة بالحرية، وإنما كان عمل مختلف شخصيات هذا النظام أيضا في هذه المناسبة ومن خلف منابرهم كانوا يهددون الشعب الإیراني حتى لا يقتربوا من منظمة مجاهدي خلق ومن التيارات السياسية.

رئيس جمهورية الملالي حسن روحاني الذي كان عام 1981 ممثل مجلس النظام في محافظة سمنان طرح نظرية الحفاظ على أمن الدولة وانتشرت بشكل واسع في الصحف ذلك الوقت. هو قال: أنا أطالب بشنق المتآمرين خلال صلاة الجمعة أمام الشعب ليكون له أثر أكبر.

إن صحيفة أئمة الجمعة خلال 39 سنة ماضية مليئة بنهب الأموال وقتل الشعب ولهذا السبب اشتعل غضب الشعب من أئمة الجمعة في الانتفاضة الأخيرة. وكما كتبت وسائل الإعلام الحكومية، رجل الدين المجرم غياث الدين طه محمدي أثناء أداء صلاة الجمعة في مدينة همدان أشار إلی غضب الشعب وانزعاجهم من انتشار القمع والفساد والسرقة في صلاة الجمعة وقال: حوالي 60 مكتب لأئمة تعرضت للهجوم خلال الانتفاضة.

أئمة الجمعة وصلتهم رسالة سقوط النظام بشكل جيد وواضح من خلال شعارات الشعب وتدابير القوة للإطاحة بالنظام. ومثلما کان الخميني الدجال يعتبر المحافظة على نظامه المكروه من أكثر الواجبات قداسة فإن ورثته السياسيين ومن ضمنهم هؤلاء الملالي كان كل همهم خلال العقود الأربعة السابقة المحافظة على النظام.

الملا مصطفى باقري بنابي ايضا أثناء صلاة الجمعة في بناب ولقلقه من سقوط النظام قال: الخطر محدث والأعداء لا ينامون واذا حصل شيء فلن يكون لصالح الاصلاحيين اوالمتشددين، واذا كانت غايتهم الهجوم فسوف يحصد الجميع.

أسد الله ايماني في صلاة الجمعة في مدينة شيراز ايضا اشار إلی دور مجاهدي خلق في الانتفاضة الشعبية الاخيرة حيث قال: “اذا كان نفيهم ولعنتهم لم يأدبهم يجب ان يتم اعتقالهم واذا لم يأدبهم السجن يجب أن يقتلوا جميعا” علي سعيدي امام الجمعة في مدينة شاهرود في حديث مشابه له أيضا قال: “هؤلاء کانوا یريدون القضاء على الثورة الاسلامية”. محمد قاسمي في صلاة الجمعة في مدينة ساري يقول: “الاعداء لايفرقون بين اصلاحي ومحافظ بل هم يستهدفون اصل النظام كله”.

صلاة الجمعة في إیران تحت ظل حكم الملالي هومكان تأتي فيه جميع مواضيعه وخطبه مباشرة من مكتب الولي الفقيه جاهزة ومفلترة لتخرج في طياتها اكبر قدر ممكن من العذاب للشعب الإیراني ونهب اموالهم وقتل ابناء الشعب الإیراني.

أحد امثلة هذه الموضوعات هو”الفضاء الافتراضي”. علم الهدى امام جمعة مدينة مشهد بعد الانتفاضة الشعبية الاخيرة التي بدأت من هذه المدينة يقول ايضا في هذا المجال: “عن طريق هذه الشبكات الاجتماعية نفسها كان لهم تياراتهم الإرهابية التي تم توظيف اعضاء لها من شباب هذا البلد الذين تم غسيل ادمغتهم. انهم یجندون من الشباب والمراهقين باعمار ١٦ و١٧ سنه لیعملوا لهم کمشاة. اذا رفع الشعب يده عن دعم النظام فان النظام قابل للسقوط لذالك سعوا ان يبعدوا ويفصلوا ما بين الشعب والنظام”. ولهذا السبب فإن النظام الدكتاتوري الحاكم قام فورا باغلاق الشبكات الاجتماعية تزامنا مع بدء الانتفاضة الإیرانية في اواخر عام ٢٠١٧ وأئمه وخطباء الجمعه في خطبهم قد دعموا الاجهرة الامنية في هذا الاجراء لان النظام كان يقف على عتبه السقوط على يد الشعب الإیراني تحت قيادة المقاومة الإیرانية. أحمد خاتمي خطيب جمعة مدينة طهران اشار إلی اصل الموضوع وقال: ” الفتنة (يقصد الانتفاضة الإیرانية) كانت عميقة جدا في هذا العام وكسرت الكثير من الحدود والمحرمات، قصة هؤلاء انهم كان يستهدفون اساس النظام نفسه”. الملا سعيدي ايضا في يوم الجمعة في قم قال: “يجب ان لا نغفل عن العوامل الداخلية لهذة الفتنة. .. (المجاهدون) أتوا إلی الميدان بنية ابادة النظام”.

الخوف من الفضاء الافتراضي وتأثيره الهام اثناء تقدم الانتفاضة الإیرانية نحواسقاط نظام الملالي لم يكن محصورا في خطيب جمعة واحد اواكثر من خطيب بل عبرت كلمات خامنئي ايضا عن هذا القلق. قلق من انه من الممكن ايضا للشعب الإیراني وبخاصة شريحة الشباب ان يستطيعوا ان يتواصلوا فيما بينهم عن قرب وبشكل منسجم عن طريق الشبكات الاجتماعية من اجل تنظيم تشكيل المظاهرات وفي النتيجة فان لهب الانتفاضة والطوفان الغاضب للشعب الإیراني تستطيع تغيير نظام ولاية الفقيه.

وفي الحقيقة فان بعد الانتفاضة الإیرانية فقد تلقى نظام الجهل وثقافته الضيقة ضربة قوية من قبل الشعب الإیراني والفضاء الافتراضي. والان يقدم النظام من اجل حذف وتصفية الشبكات الاجتماعية ومع وجود كل هذا التقدم العلمي في هذا المجال فان قدرات الشباب الإیراني كلها تتجه نحوابعاد هذا الاغلاق والفلترة للوصول لهذه الشبكات. النظام لا يستطيع الوقوف في وجه موجة وصول المعلومات المجانية والحرة وىا يستطيع ان يحرم الانتفاضة الإیرانية الخلاقة من الوصول اليها.

وبناءا على ذالك يمكن القول ان الوضع في إیران قد اخذ مجراه ولن يعود الی ما كان عليه في السابق. وكان متوقعا حدوثه سيحدث ألا وهواستمرار الانتفاضة الإیرانية والاقتراب من سقوط الديكتاتورية الدينية الحاكمة في إیران.

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.