ما زالت الضجة مستمرة حول وثائقي عُرض على قناة ألمانية مخصصة للأطفال واليافعين، تحدث عن قصة حب شاب سوري اسمه ضياء من مدينة حلب ومالفينا وهي فتاة ألمانية من بلدة فولدا بولاية هيسن.

وما زاد من تلك الضجة ملاحظةُ بعض الأشخاص في صفحة الشاب على فيسبوك من بين الصفحات المعجب بها واحدةً لداعية ألماني سلفي شهير هو بيير فوغل “يوصف في ألمانيا بداعية كراهية”، دليلاً على أنه يتبع هذا النهج، الأمر الذي نشرته وسائل إعلام كموقع صحيفة “بيلد” أيضاً، معتبرة أن هناك علاقة بينه وبين فوغل.

القناة التي عرضت الوثائقي أيضاً أبدت استياءها حول ذلك، وأوضحت أنها لم تكن على علم بذلك.

ولكنها اعتبرت بنفس الوقت أن “الإعجاب” لا يعني أنه معجب بهذا الشخص أو يدعمه.

وأضافت “أوضح ضياء أنه دخل صفحة الألماني هذا عندما شارك في لعبة يانصيب لربح رحلة إلى مكة، وأن هذا الاعجاب لا يجعل منه سلفياً أو إسلاموياً أو خطراً على ألمانيا”.

 

محتوى الفيلم

ويحكي كل من ضياء ومالفينا ووالداها في الفيلم عن الطريقة التي بدأت فيها العلاقة والخلافات التي نشبت بينهما خصوصاً في النواحي الدينية، كرفض ضياء لبسها لثياب قصيرة أو معانقتها زملاءها، معتبراً إياها ملكاً له، وإياه ملكاً لها، ورفضت مالفينا اقتراحه غير المباشر اعتناق الإسلام أو لبس الحجاب، مؤكدة أنها مسيحية تلبس الصليب ومتحررة.

وتظهر الفتاة الألمانية تقديمها تنازلات من أجل حبيبها كتوقفها عن لبس الملابس القصيرة أو أكلها لحم الخنزير، معتبرة ذلك لا يستحق إنهاء العلاقة مع شخص تقدره من أجلها، مؤكدة أنها لا تدري إن كانت ستنتهي العلاقة بالزواج أو تفشل.

فيما يعبر والداها عن خشيتهما أن تقدم على لبس الحجاب، ومواصلتها تقديم تنازلات له.

ورغم أنه لم يثبت أن الشاب ضياء قد ارتكب أمراً شائناً حتى الآن سوى عرضه وصديقته لعلاقتهما على الشاشة، أثيرت الشبهات حوله وتم تصويره كأنه مجرم ومالفينا الضحية، فتم التساؤل عن سبب تسميته محمد تارة وضياء تارة أخرى، ليوضح التلفزيون أن اسمه مركب محمد ضياء، لكنه يُنادى باسم ضياء، كشأن اسم هانز بيتر بالألمانية، المركب أيضاً، ولقي أيضاً اتهامات بأنه يكذب حول عمره الحقيقي.

لكن قالت القناة لمتابعيها أن عمره عندما تعرف على مالفينا كان 17 عاماً، و19 لدى تصوير الوثائقي، و20 عاماً حالياً، وأنها شاهدت بطاقته الشخصية، مؤكدة أن ضياء لم يقم بالتلاعب بعمره منذ البداية قط أو كذب بشأن ذلك، بل هي من ارتكبت خطأ تحريرياً على موقعها.

وقالت إنها لم توفر منصة لضياء لكي يعبر عن آرائه، بل كان تركيز الفيلم على مالفينا، والفروقات الثقافية بينها وبين ضياء، وأنها لم تجمل طبيعة العلاقة بينهما، بل أكدت مالفينا فيه الحدود التي وضعتها لعلاقتهما، وعبر والداها عن ما يقلقهما حيال الأمر، وتناول الفيلم المشاكل بينهما بشكل واضح.

 

القناة المنتجة تنظم حواراً للرد على مزاعم اليمين المتطرف

 

ونظمت قناة HR العامة في ولاية هيسن السبت 13 يناير/كانون الثاني ندوة تلفزيونية، بثت خلالها الفيلم -الذي أنتجته وبُث على قناة كيكا ضمن سلسلة “نظرة على عالمي”- وناقشت مع عدد من الضيوف الأسباب التي جعلت هذا الوثائقي المسمى “مالفينا وضياء والحب” يثير كل هذه الضجة والاستياء في المجتمع، على نحو خاص الشبكات الاجتماعية.

بعد بثه في شهر نوفمبر الماضي، قبل قرابة شهر ونصف، كان بينهم عضو البوندستاغ من حزب البديل لأجل ألمانيا اليميني المتطرف ديرك شبانيل، الذي شارك في شن حملة واسعة ضد الوثائقي، واصفاً إياه بـ”بروبغاندا لإقامة علاقات عاطفية مع اللاجئين المسلمين”.

وواظب شبانيل في النقاش على تكرار اتهامه ومزاعمه بأن الوثائقي عرض إمكانية أن تجعل الألمانية مالفينا نفسها تابعة للشاب المسلم وممتثلة لطلباته من ناحية اللباس والأكل، رغم أنها متحررة، وإمكانية التعايش بين الثقافات المختلفة، مشككاً في ملاءمة هذا العرض “غير المترافق بالنقد” للفتيات الصغيرات في السن. وزعم أنه من الصعوبة بالنسبة للفتيات الانفصال عن شخص مسلم، لأنه يعتبر الزوجة “ملكاً له”.

وادعى أنه لم يشكك في عمر ضياء ولم يتهجم عليه شخصياً، لكنه انتقد عدم ذكر القناة في الوثائقي “المخاطر” التي تجلبه الخوض في علاقات مع الشبان العرب، وعدم تبيان أن نسبة الجريمة بينهم أكبر من الألمان.

وجاء رأي الباحثة البارزة في العلوم الإسلامية لمياء قدور المشاركة في النقاش مخالفاً لما ذهب إليه شبانيل، وقالت إنها لا تجد مالفينا ضحية البتة، وإن الفيلم لا يظهر تناقضاً بالنسبة لقولها إنها متحررة، ذلك أنه يظهر الفتاة وهي تعرف التناقضات ونقاط النزاع بينهما، وتسميها وترفضها، معتبرة ذلك أمراً جيداً.

وقالت لشبانيل إنه ربما لم يلاحظ أن ضياء نفسه عمد إلى التوصل إلى حلول وسطية أيضاً، عندما يقول مثلاً إنه يتوجب عليهم سماع ما يقوله والده الذي يفهم في الحياة أكثر منه، لكن ليس من الضروري أن يلتزم بما يقوله تماماً، وإنه لم يعمد إلى توجيه أوامر لمالفينا والقول إن علاقتهما ستنتهي بمجرد رفضها.

وأضافت في وقت لاحق في الحلقة أن على المرء تشجيع الأولاد على قول “لا” حين لا يروق أمر ما لهم، لكن أيضاً تشجيعهم على التوصل لتفاهمات وحلول وسطية في العلاقات، وأن قابلية الوصول إلى الحلول الوسطية أمر لا يختص به المسلمون فقط أو السوريون فقط، بل المسيحيون واليهود وغيرهم أيضاً.

تهديدات بالقتل تصل إلى الشاب

 

وكانت القناة قد صورت مقابلة مطولة لعرضها أثناء حلقة النقاش، لكن مديرة القناة غابريله هولزنر التي كانت حاضرة في الحلقة، بينت أنهم قرروا عدم عرضها قبل بدء النقاش بنصف ساعة بعد أن طلب ضياء منهم ذلك، لأنه تلقى تهديدات بالقتل من أوساط متطرفة لأنهم اعتبروه “عصرياً” ويتقبل أموراً تقولها صديقته.

مبينة أنهم لم يريدوا تعريضه للمزيد من الخطر، انطلاقاً من المسؤولية التي يشعرون بها حيال المشاركين في الفيلم.

وكثيراً ما تكرر خلال الأيام الماضية على الشبكات الاجتماعية السؤال الذي يعتقد طارحوه أنه سيحرج متلقيه من القناة والعرب، ألا وهو لماذا لم يتم البحث عن علاقة بين فتاة عربية وحبيبها الألماني وعرضها، هذا إن كان الأمر ممكناً.

الأمر الذي ردت عليه قناة HR بالقول إن فكرة الوثائقي هو إظهار العلاقة بين الشباب من ثقافتين مختلفتين، وموضوعه التسامح، وأنها لم تضع نصب عينيها في الأساس اختيار لاجىء أو شخص سوري، لكن ضياء ومالفينا لفتا نظرها خلال تواصلها مع منظمة “AWO”.

 

ضياء: تأذيت بشدة من تصويري كإرهابي

 

وعُرضت أثناء النقاش التلفزيوني السبت 13 يناير/كانون الثاني، مشاهد قصيرة تظهر آثار هذه العاصفة من ردود الأفعال المليئة بالكراهية على ضياء ومالفينا ووالدتها.

فقال ضياء إن وضعه ليس جيداً من الناحية النفسية ويشعر بالحزن، وإنه تأذى بشدة من إظهاره كإرهابي في التلفزيون والصحف، لأنه ضد ذلك بنسبة ١٠٠٪، وأنه لا يستحق ما يحدث معه.

فيما قالت مالفينا التي بدت غاضبة إنها لا تعتقد أن أياً من الذين يحرضون عليهم سبق له أن تحدث مع مسلم، لكنها فعلت ذلك، وإن السياسيين وآخرين ذوي توجهات يمينية اتخذوا من الفيلم ذريعة لكراهية اللاجئين، مضيفة أنهم يعطون ثقلاً لكل كلمة قالها ضياء ويهولون الأمور دون سبب.

وعبرت والدتها عن خيبة أملها من ردات الفعل، قائلة إنها غاضبة جداً، لأن الآخرين يعتبرون أنفسهم يعرفون أكثر بشأن كيفية تربية الأطفال.