حقق مسلسل “بدون قيد” (إخراج أمين دره، قصة باسم بريش ورافي وهبي، سيناريو وحوار باسم بريش) الذي بث أخيراً عبر قناة “يوتيوب”، خطوة متقدمة في مجال صناعة الدراما العربية، أولاً لجهة المغامرة بجهد إنتاجي محترف في فضاء “يوتيوب” قبل العرض على شاشات التلفزيون كالمعتاد، وثانياً في اقتراح طريقة مشاهدة غير تقليدية، عكس تلك التي كرستها أجواء العرض الرمضانية. فـ “يوتيوب” غالباً ما يكون مكاناً لمشاهدة فردية غير مرهونة بوقت محدد. هذا بالإضافة إلى الإمكان الذي أتاحه المسلسل الجديد ليفسح للمشاهد اختيار من أين يبدأ، فهو يروي في ثلاثة مسارات سِير ثلاث شخصيات تتكامل في ما بينها، لتصل وتتشابك في نهاية واحدة.

وعلى رغم أن موضوعه الحرب السورية يقدم “بدون قيد” نفسه كـ “مسلسل رقمي ترفيهي”، وهو محق في ذلك الوصف، فهو في النهاية ليس ســـوى “أكــشن” تلفزيوني متقن إلى حد كبير، متسارع الإيقاع، يتمتع بحرفية عالية لناحية المونتاج، وهو متقدم في ذلك على دراما التلفزيون الملـــيئة في معـــظمها بالثرثرة والإطالة المقصودة لملء أكبر عدد ممكن من ساعات البث.

أما “بدون قيد” فلا يبدو أنه يهتم للوقت، وبالعكس، فهو بارع بقول ما لديه بأسرع ما يمكن. غير أن ذلك يطرح في المقابل مشكلة كبيرة، إذ يجد المشاهد نفسه أمام ما يشبه فيلم مطاردات مشوقاً، لكنه من غير قضية، أو أنه يفرّغ قضية السوريين من محتواها الإنساني.

وفي وقت يدّعي العمل أنه “بدون قيد”، لن تجد لديه الجرأة في تناول الحدث السوري إلا باتجاه تضمين بعض مشـــاهد جنسية، أو كلمات نابية صريحة يستحيل مرورها في أي عمل تلفزيوني عربي. إنه يحرر نفسه من الانحياز إلى ثورة السوريين، وسورية اليوم لا تعني له سوى “مئة جنسية عم يتقاتلوا ع الأرض”، لكن بالتأكيد ليست الثورة هي معيار نجاح أو فشل، بل التغييب المتعمّد لأساس المأساة.

يطرح “بدون قيد” حكاية ثلاث شخصيات سورية، الأولى شخصية ضابط في الشرطة (أداه الممثل رافي وهبة) يقاوم الضغوط التي تدفعه إلى تزوير هويات خارجين عن القانون ويتعرض جراء ذلك لقتل ابنه ما يؤدي إلى انتحار زوجته، فيقرر الهرب من البلد. الثانية هي ريم سلامة (عبير حريري) مهندسة زراعية طردت من عملها بسبب بحث أجرته عن تصحير أراض زراعية يكشف وراءه فساداً، وهي كذلك تتعرض لمضايقات من أجل بيع أرضها. صمود المرأة يتوقف عند التهديد بخطف طفلتها فتقرر مغادرة البلد بصورة غير شرعية. الشخصية الثالثة هي لكريم (يامن منصور) مدرس خصوصي يعتقله أفراد من أمن النظام لمجرد مرور ناشط في بيته. يعترف تحت التعذيب على الناشط، ويجد نفسه مطالباً بالتعاون مع أجهزة الأمن، الأمر الذي يدفعه أيضاً إلى الهرب.

ليس بين شخصيات العمل ناشط سياسي ما، فكلهم أبرياء تماماً مما خرج السوريون من أجله عام 2011. أقصى نضالهم هو ضد فساد في قضية أراض زراعية أو تزوير هويات. أما التلميح بوجود “مافيا” كبيرة تضغط وتفجر وتخطف فهي مجرد جهة ما قد نجد مثلها تماماً حتى في الأفلام الهوليوودية، وبالتالي ليس مستبعداً أن يظهر الرئيس في آخر الفيلم مستقبلاً ذلك الضابط النزيه محيياً جهوده، ومكرماً إياه!

السوريون في “بدون قيد” هم “20 مليوناً نصفهم خارج البلد” كما يأتي على لسان الضابط، لكن سيتم تلخيص ذلك الـ “نصف” على لسان كريم بهذا المونولوغ: “كنا سبعة في الشلة، ناس مع، وناس ضد. جاءت الحرب، وصار فلان موظفاً في جمعية في تركيا، ويوسف مطرباً في لبنان، وسامي اختفى، عمر يدخن أركيلة (شيشة) في ألمانيا. زينون يتعاطى مخدرات في اليونان. وخلدون أكثر واحد متهور”. وما خلدون سوى الناشط الذي جلّ حلمه الانتماء إلى “الإسعاف السوري” (لاحظوا الاسم هنا، لم يتحدث العمل عن الانتماء إلى “الدفاع المدني” مثلاً، فهذه شبهة تمت إدانتها على أعلى المستويات!).

كان يمكن اعتبار مونولوغ كريم أنه لسان حال الشخصية وليس لسان حال العمل، لولا أنه يكرره أثناء هروبه (بل على رغم هروبه!) من البلد ليقول: “زينون صار يبيع مخدرات، وعمر لساته عم يأركل بألمانيا، وخلدون انلقط”!

كذلك يأتي المونولوغ بالتساوق مع وجهة نظر العمل، الذي كما يبدو، صيغ في إطار استراتيجة الترويج للعودة إلى حضن الوطن. فالشخصيات الثلاث تلتقي أثناء هروبها في محطة وقود داخل الحدود اللبنانية وتقرر العودة إلى البلد. تعود ريم بعدما جربت مرارة الغربة في لبنان، كما يعود كريم، وقد انبنت بينهما حكاية غرام بدأت من لقاءات عابرة صدفة في أروقة مبنى الشرطة. كذلك يعود شقيق ريم، الضابط في جيش النظام الذي كان مختفياً بعد أسره إثر مواجهات، واعتبر “شهيداً” (يظهر أنه كان أسيراً لدى “داعش” التي ظهرت بعَلَمها الصريح، وما المنقذ سوى مقاتلة كردية)، أما الضابط وفيق، فمعه ختام العمل، وهو في حيرة من أمره، من دون أن يحسم في أي طريق يسير.

 

 

 

 

 

 

الحياة