هاهي شوارع طهران ومدن إيرانية أخرى تعج بالمتظاهرين الغاضبين، وهاهي الشعارات الساخطة ترفع هنا وهناك بين اقتصادي معيشي وسياسي داخلي وخارجي، والأهم من هذا وذاك ها هي أرواح تسقط ودماء تسيل. هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث في بداية أية تحركات احتجاجية لأنه نذير بأن الأمور على الأرجح لن تهدأ سريعا.
ها هي إيران إذن تلتحق، كما تبدو الأمور إلى حد الآن على الأقل، بموجة هزت عددا من البلدان قيل وقتها إنها واحة أمن واستقرار حتى حدث فيها ما حدث: تونس، مصر، ليبيا، البحرين، عُمان، سوريا، اليمن، المغرب. بعض هذه الدول استطاعت أن تتصرف بسرعة وتحتوي المطالب التي رفعها المتظاهرون مثل المغرب وعمان، والبعض الآخر تصرف بسرعة هو الآخر ولكن بطشا وقمعا فأخمد التحركات مثل البحرين أو دمر البلد ليبقى مثل سوريا.
بعض هذه التحركات لم تدم سوى أسابيع قليلة مثل تونس الذي جاء فيها هروب بن علي، أو مغادرته أو الإيقاع به، لم يعد يهم الآن، طوق نجاة للجميع، في حين كلف عناد القذافي وغطرسته ليبيا أنهارا من الدماء والفوضى ما زالت مستمرة إلى الآن وكذلك صالح في اليمن، فيما تمثل سوريا «النموذج» في التقاء الغطرسة بالمكابرة بالقمع بالتدخل الدولي إلى أن أصبحت سوريا على ما هي عليه الآن. كل ذلك لا يهم، ما دام الأسد ما زال في سدة الحكم!!
ومع انطلاق احتجاجات إيران، عادت إلى السطح نوعيتان من التفاعلات، من سياسيين وإعلاميين ونشطاء مجتمع مدني ومواقع تواصل إجتماعي وأناس عاديين، لم يغيبا أبدا في كل الحالات السابقة. كل واحدة منهما متسرعة في اتجاه، كلاهما تحكمه، لاعتبارات مختلفة ومعقدة، الرغبة المسبقة قبل استقراء الوقائع على الأرض:
– النوعية الأولى، متحمسة متعجلة وحتى متهورة في بعض الحالات. مع أول صرخة يطلقها متظاهر في الشارع، ومع أول شعار سياسي وازن، وأكثر من هذا وذاك، مع أول ضحية تسقط، يطلق أصحاب هذا النهج العنان لأكثر أمانيهم طموحا أو جنوحا. يقولون «هذه بداية النهاية لهذا النظام القمعي المتسلط»، إنها «ثورة شعبية لن تتوقف». يستوي هنا المعارض لهذا النظام الذي دغدغت فيه هذه المظاهرات أملا في التغيير كاد أن يختفي، والسياسي الأجنبي الذي لا يكن أي ود لهذا النظام.
قد تجد من بين هؤلاء المتحمسين فعلا للديمقراطية والحريات في إيران وإنهاء الحكم الديني المطلق فيها، وقد تجد من يفعل من باب النكاية ليس إلا فهو من أولئك الذين لا يطيق سماع مفردات كهذه تصيبه بالدوار والهيجان إذا ما تعلقت ببلده هو أو ببلد متحالف معه. بل إن من بينهم من يسخر الآن من ثورات قامت في تونس ومصر ويؤيد أي ثورة مضادة فيهما حتى وإن وصلت إلى انقلاب عسكري دموي. بعض هؤلاء «المحتفلين بــ (ربيع إيران) يكرهون أصلا كلمة (ربيع) وكل ما يذكرهم به» كما قال الصحافي المصري المعروف أيمن الصياد.
– النوعية الثانية، مشككة منذ البداية ولا ترى أي أمل في تحرك هؤلاء المحتجين ولا حتى في شرعية مطالبهم في بعض الأحيان. هؤلاء يسارعون عادة إلى نظرية المؤامرة في تفسير أي شيء وكل شيء فيعتقدون جازمين منذ الأيام الأولى أن وراء ما يجري عملاء في الداخل ومتآمرين في الخارج. هؤلاء معجبون بنظام الملالي فلا يتخيلون للحظة إمكانية الخروج عليه لأي سبب. هنا أيضا يستوي في ذلك سياسيون وإعلاميون في إيران ومحيطها والبعيد عنها. من يفعل هذا، بحسن نوايا أو سيئها، هو نفسه من يكون هلّل من قبل لحراك تونس أو مصر أو البحرين لكنه استنكف أن يفعل ذلك في سوريا مثلا وها هو يكررها مع إيران وما بدل تبديلا.
وبين الصنف الأول والثاني فئة تحاول جاهدة أن تكون إلى المبادئ والقيم أقرب، تسعى إلى أن تنتصر دائما للشعوب وحقها في أن تعبر عن ذاتها وتتحرك لتغيير ما تراه من بؤس إجتماعي وكبت سياسي. إنه خيار صعب ومكلف بل هو امتحان قد لا ينجح فيه غير قلة، ليس من السهل أن يجزم أي منا أنه من بينها. الجميع، إلا من رحم ربي، مزيج من القناعات والمشاعر والأمزجة والمصالح، خليط من مبادئ راسخة وأخرى مهزوزة. وقد ينجح أحدنا في هذا الملف ويسقط في آخر، ومن لمته أنت بالأمس قد يوفق لاحقا بينما يجانبك أنت التوفيق هذه المرة، ومن أصاب سابقا قد يتعثر لاحقا والعكس صحيح. الأمور معقدة ومتداخلة ومن شبه المستحيل أن تعثر على «قديسين» في هذا المجال… كلنا خطاؤون في الغالب وخير الخطائين التوابون عندما يعطون الأولوية للمبادئ قبل أي شيء آخر. هنا قد تكون منظمات حقوق الإنسان الأقدر على النجاح في امتحان كهذا لأنها لا تهتم سوى برصد الانتهاكات مهما كان مقترفوها، أما السياسيون والمسيـّـسون فمن الصعب أن يكونوا في الغالب على «الصراط المستقيم».
هل عرف أي منا أين وقف من قبل.. وأين يقف الآن؟!!

 

 

 

 

٭ كاتب وإعلامي تونسي