محمد العجيل شاب في الثلاثين من عمره قضى بانفجار لغم اثناء محاولته فتح باب شقته في “حي المشلب” بمدينة الرقة بعد تحريرها من تنظيم الدولة.
يقول والد محمد بعد السماح لأهالي بعض الاحياء في المدينة عاد الأهالي ومنهم محمد الى الحي ليجد البيت مازال قائماً ولم يتعرض للهدم نتيجة المعارك التي دارت مع التنظيم والتي خلفت دماراً كبيراً, فرح فرحاً كبيرة بسلامة البيت وعندما حاول فتح الباب انفجرت سلسلة من الألغام أودت بحياته على الفور.
محمد واحد من عشرات الضحايا قضوا او تعرضوا لبتر أجزاء من جسدهم نتيجة الألغام التي زرعها تنظيم الدولة في مدينة الرقة وريفها, ورغم ان كثير من فرق الهندسة فككت حقول كبيرة من الألغام والمفخخات الا ان التنظيم قام بزرع تلك الألغام داخل منازل المدنيين والمحلات التجارية وفي المدارس والحدائق والمباني الحكومية وعلى ضفاف الفرات ومفارق الطرق وبأشكال عديدة منها ما يشبه الحجارة والاقلام والكراسي وتفخيخ الأبواب والأدوات الكهربائية .
قوات سوريا الديمقراطية التي سيطرت على الرقة وريفها بمساندة من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية لم تقم بالدور المطلوب منها في إزالة هذه الألغام وما تم تفكيكه جزء بسيط من حقول منتشرة بين منازل المدنيين واراضيهم هذا ما دعى عدد من المتطوعين وهم من العسكريين القدامى ومن الشباب الذين اختصوا اثناء خدمتهم الإلزامية في الجيش بالألغام لإزالتها بطرق بدائية غير آمنة لكنها أيضاً تسببت بمقتل عدد منهم.


خالد مصطفى أحد المتطوعين في إزالة الألغام قال حصلت على موافقة من المجلس المحلي لإزالة الألغام المنتشرة في قريتي لكن في الآونة الأخيرة توقفت عن العمل بسبب الخطر الشديد فالتنظيم وعناصره ليس لديهم طريقة واحدة لتشريك وتوصيل الصواعق والالغام فهي تختلف من لغم لآخر واعتمدوا أساليب عديدة لمنع تفكيك الغامهم وخلال الأشهر الماضية قتل أربعة متطوعين بعد تفكيكهم عدد من الألغام داخل مدرسة لكن انفجر بهم لغم وضع في الثلاجة.
وأضاف قائلاً: تحتاج الألغام التي وضعها التنظيم لمعدات حديثة وأجهزة كشف وآليات كاسحة لتنوع الألغام المنتشرة فمنها الليزري والغام البصمة والغام كيميائية والغام ثنائية
وحتى الخبراء الامريكيون لم يسلموا من هذه الألغام فقد وقع حادث اثناء درس تدريبي لخبير امريكي قام بإزالة لغم لكن تبين ان عناصر التنظيم وضعوا لغم آخر تحته “لغم ثنائي مؤلف من جزئين” انفجر واودى بحياة المدرب وعدد من طلابه.
م.ج من قوات سوريا الديمقراطية قال فككت فرق الهندسة كثير من الألغام في القرى والبلدات التي سيطرنا عليها لكن التنظيم نشر الغامه في كثير من بيوت المدنيين واراضيهم وليس في ساحات المعارك فقط لذلك نحتاج لوقت طويل لتفكيك تلك الألغام وخاصة مع ضغط الأهالي للعودة لبيوتهم قبل تأمينها بشكل كامل
طبيب الإسعاف في مشفى الطبقة قال معظم الحالات التي تصل المشفى تفارق الحياة قبل وصولها وقسم آخر يتعرض لبتر احد اطرافه او كليهما وبعض الإصابات تطال الوجه والعينين وتتوزع الإصابات على الأطفال والنساء والرجال لكن نسبة الرجال اكبر واغلبهم من الفلاحين الذين عادوا لأراضيهم لزراعتها,
مهند احمد (14 عام ) احد الذين تعرضوا لانفجار لغم اثناء العمل في ارضه فقد على اثره قدمه اليسرى و هو الآن في تركيا لتركيب طرف صناعي تحدث لنا اخوه حمادي قال: نتواصل معه يومياً لكن يبدو ان اللغم لم يقطع قدمه فقط بل قطع الحيوية والابتسامة والامل واثر على نفسيته كثيراً وهو الآن بحاجة لإعادة تأهيل نفسي ليعود لطبيعته قبل الحادث.
ويقدر عدد الجرحى والذين تعرضوا لبتر جزئي او لتشوهات حسب إحصائية غير دقيقة لمشفى الطبقة ما بين 100 و 200 حالة بعضهم بحاجة لتركيب اطراف صناعية وتقديم علاج فيزيائي وهذه الخدمات تفتقدها مشافي الرقة والحسكة مما يضطر المصابين للسفر لتركيا وسط ظروف معيشية صعبة وغياب للدعم المالي والمعنوي من المنظمات الإنسانية المعنية.
لا يوجد إحصاءات دقيقة لعدد الألغام المنتشرة ولكن حسب ما ذكر لنا مختص من منظمة روج لمكافحة الألغام وهي منظمة مدنية تعمل في مناطق سيطرة (قسد) لإزالة الألغام والمفخخات تتراوح كمية الألغام المنتشرة في مدينة الرقة وريفها ما بين 6000 – 8000 وقامت المنظمة بتفكيك 300 لغم خلال الأسبوع الماضي في احياء السكن الشبابي والصناعة وحي المشلب وساحة الإطفاء القديمة ومنطقة الملعب البلدي ونعت المنظمة اثنين من افرادها قضوا اثناء عملهم في نفس الفترة.
واكد ناشطون مقتل 70 مدنياً و 40 من (قسد) و6 من فرق الهندسة منذ اعلان السيطرة على مدينة الرقة في 16 تشرين الأول الماضي.


في قرية الرشيد قتل ثلاثة أطفال من عائلة واحدة اثناء لعبهم في حظيرة الأغنام قالت الام مزنة: عدنا لبيتنا منذ شهرين تقريباً وقمنا بدفع مبلغ 100 دولار لعناصر إزالة الألغام وقاموا بتفقد البيت وتفكيك ثلاثة الغام كانت في بستان الزيتون لكن عناصر التنظيم قاموا بوضع اللغم في احد اكياس “التبن” داخل الحضيرة وبعد مرور شهر على عودتنا للبيت واثناء لعب اطفالي “خالد 6 سنوات – وعد 5 سنوات و محمود 4 سنوات ” انفجر اللغم واودى بحياتهم.
واتهم الناشط الإعلامي صهيب الحسكاوي قوات قسد بالتقاعس اولاً والبطئ ثانياً في وتيرة إزالة الألغام وخاصة انهم تلقوا الدعم المادي والآليات اللازمة والتدريب الكافي وقال: لو كان لدى تنظيم الدولة هذا العدد الهائل من الألغام اما انسحب من الرقة ولكن ما يحدث الآن في الرقة هو بفعل فاعل وتتحمل ميليشيا الوحدات الكردية مسؤوليته ولا استبعد ممن قصف المدينة بالفوسفور الأبيض على مدى 120 يوماً ان يضع الألغام بين لبسة الأطفال ووسط منازلهم ,
وتسائل صهيب؟: لماذا لم نسمع عند دخول (قسد) المدينة وتعفيشها وسرقتها بانفجار هذه الألغام.
وفي السياق ذاته أعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء الأشخاص الذين غادروا المدينة والذين تضطرهم أوضاعهم السيئة جداً داخل المخيمات الى السعي للعودة الى منازلهم في الرقة باي ثمن وجاء في بيان صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ان المنظمة الدولية “قلقة على سلامة المدنيين الذين يمكن ان يقتلوا او يصابوا بالألغام في الرقة.
وكان عدد من الدول والمنظمات أكدوا مساعيهم للمساعدة في نزع الألغام من مدينة الرقة اذ تعتزم المانيا انفاق عشرة ملايين يورو مبدئياً للمساعدة في إطار اتفاق مع الولايات المتحدة وينص الاتفاق على ان تساعد المانيا في تمويل شركة تيترا للتكنولوجيا وهي متعاقد حكومي أميركي يعمل في نزع الألغام من الرقة.
في الرقة كما في كل سوريا ستنتهي الحرب لكن ستترك جرحاً لن يندمل بسهولة فالأثر النفسي والاجتماعي لهذه الألغام على نفسية المصابين وذوي الضحايا كبير وكبير جداً.

 

 

 

علي محمد المشهداني | خاص زمان مصدر