لم يكن يدور في ذهني الشقيقتين السعوديتين أشواق (30 سنة) وأريج الحمود (28 سنة)، عندما قررتا الهرب إلى تركيا من طريق أبو ظبي، سوى الهرب من المشاكل العائلية التي كانتا تسود حياتهما.

وقد وصلت الحال في منزل العائلة إلى حد التحرش، وفق ما ذكرتاه في تسجيل فيديو صوّرتاه من داخل سيارة شرطة تركية، بعد اعتقالهما في تركيا عقب ثلاثة أشهر من وصولهما إلى إسطنبول.

كانتا  قد حاولتا متابعة طلبي الحصول على تصريحي إقامة، وجاء التحرك التركي، عقب رفع والدهما دعوى ضدهما، يتهمهما فيها بمحاولة الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي.

 

 

قالت الشقيقتان عبر سلسلة من مقاطع الفيديو من هاتف محمول إنهما تخشيان إساءة المعاملة الأسرية إذا أعيدتا إلى السعودية.

 

 

بعد سبعة أشهر من وصولهما إلى إسطنبول، خسرت الشقيقتان الطعن في قرار ترحيلهما في محكمة تركية، الأمر الذي يمهد لإعادتهما قسراً إلى الرياض، وسط تحذيرات حقوقية من تعرضهما لانتقام عائلتهما، مع ضعف القوانين التشريعية التي يجب أن تحميهما.

قالت الشقيقتان الحمود إنهما فرتا من السعودية في أواخر فبراير الماضي، هرباً من الاعتداءات التي شملت الضرب، والحبس في غرفتهما، وحرمانهما من الطعام، وحتى الاغتصاب من قبل (والدهما وعمهما)، وهما الآن مهددتان بالسجن سنوات طويلة.

 

 

 

تحذيرات حقوقية

حذرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير لها نشرته قبل يومين، من أن الفتاتين قد تواجهان أيضاً اتهامات جنائية محتملة، وهذا ما نتهك حقوقهما الأساسية. من تلك الاتهامات عقوق الوالدين الذي قد يؤدي إلى عقوبات تراوح بين إعادتهما إلى منزل ولي أمرهما والسجن. كما قد تواجهان اتهامات بالإضرار بسمعة المملكة، بسبب طلبهما العلني الحصول على مساعدة.

ونقل تقرير للمنظمة عن محامي الشقيقتين تأكيده أنه طعن في أمر ترحيلهما، قبل أن يبلغ والدهما السلطات التركية، بأنه يعتقد أنهما تعتزمان السفر إلى سوريا للانضمام إلى جماعة مسلحة، ولكن لا يوجد أي تحقيق جنائي في حق الفتاتين من جانب السلطات التركية بشأن ادعاء والدهما.

وقال المحامي الخاص للفتاتين لهيومن رايتس ووتش : “رأيت بطاقتي صعود الطائرة الخاصتين بالشقيقتين، وهما تشيران إلى أنهما حاولتا الفرار إلى نيوزيلندا في 8 فبراير، من طريق هونغ كونغ، من أبو ظبي، ولم يسمح لهما بالصعود إلى الطائرة المتجهة إلى هونغ كونغ، لأن المسؤولين اشتبهوا بأن الغرض من رحلتهما كان طلب اللجوء بدلاً من السياحة، بعد ذلك قررتا السفر من أبو ظبي إلى إسطنبول في 9 فبراير، والبقاء في تركيا بدل العودة إلى السعودية”.

القصة من البداية

المحاضرة في قسم الآدب في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة سحر حسن نصيف، كانت شاهدة عيان على قصة الشقيقتين الحمود، وكشفت في سلسلة تغريدات على حسابها الشخصي على موقع التدوين المصغر تويتر، قصة الشقيقتين الكاملة، والتي بدأت في عام 2009.

يومذاك، اشتكت لها أريح في مادة الأدب واللغويات، من ظروفها، ومن قسوة والدها معها.

ذات يوم، زارتها أريج في مكتبها وطلبت منها أن تساعدها في الهروب من البلاد.

تستذكر الدكتورة سحر الحوار، بلهجة عامية، “قالت: ياريت تقدري تهربيني من البلد. قلت لها كيف؟ مين تحسبيني وانتي تحسبي الحياة سهلة لما تهربي؟ ترى ما في زي بلدك، قالت انتي تعرفي الأمير خالد الفيصل”.

وتضيف: “بدأت تحكي لي عن قصة فتاة مضطهدة من أبيها، ويتحرش بها وعندما اشتكته سُجنت في دار الرعاية، وبعد فترة قصيرة طُلب من عمها أن يأتي ويأخذها، ويعيدها إلى أبيها الذي عاد إلى التحرش بها”. في ما بعد اعترفت أريج بأن الأمور باتت أكثر سوءاً، وأن الأب يعتدي عليها وعلى أختها الكبرى.

تتابع الدكتورة سحر: “قلت وأمك؟ قالت: أمي تضحك مما نقوله… قالت: مرة طلبت الشرطة ولما جات الشرطة ما سوت شي، ولما اشتكت للشرطة مسك أبوها المسدس لراسها وقالها المرة الجاية تشتكي أفضيه في راسك”.

بعد هذه المصارحة، لم تعد أريج إلى مكتب الدكتورة سحر، وانقطعت أخبارها، إلى حين سماعها بقصة هروبها من البلد، مع شقيقتها الكبرى.

أكبر من أريج وشوق

مع كل قصة هروب لفتاة سعودية، يعود الحديث من جديد، وبشكل أقوى عن وضع النساء في السعودية، وغياب القوانين الحامية لهن، وصولاً إلى تعامل الأجهزة المعنية معهن، خاصة في دور الإيواء التي لا تختلف عن السجون سوى أنها بأثاث أفضل قليلاً.

“إذا أعادت تركيا هاتين الفتاتين، فقد تكون العواقب وخيمة”، هكذا تعلق سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش” على قضية أريج وأشواق الحمود، مؤكدةً أن “النساء السعوديات الهاربات من أسرهن أو البلد قد يواجهن ما يسمى جرائم شرف أو أشكالاً أخرى من الأذى إذا أعدن رغماً عنهن”.

تزايدت أعداد السعوديات الهاربات في الأشهر الـ12 الماضية، بشكل غير معتاد، ففي أبريل الماضي، وقعت حادثة مشابهة لفتاة سعودية هي دينا علي السلوم، التي حاولت الهروب إلى أوستراليا من طريق الفيليبين، وأوقفت في مطار مانيلا بناء على شكوى عائلتها، وأُعيدت قسراً إلى الرياض، واختفت أخبارها فور وصولها إلى مطار الملك خالد الدولي، وهو المصير الذي يتهدد أريج وشوق.

قبل ذلك بسبعة أشهر، أكدت سفارة السعودية في كوريا الجنوبية وصول فتاتين سعوديتين لم تتجاوزا العشرين من عمرهما، إلى العاصمة سيول من دون علم ذويهما.

وفي يوليو الماضي، هربت فتاة سعودية في السابعة عشرة من عمرها من أسرتها خلال إجازتها في تركيا إلى جورجيا عبر منفذ حدودي

وعقب ذلك بأسبوع، أعلنت السفارة السعودية في أذربيجان وجورجيا أنها حددت موقع الفتاة الهاربة، مؤكدةً أن الهرب كان بسبب خلافات عائلية. فيما فرت مريم العتيبي من عائلتها إلى الرياض، لكنها أعيدت إليها قسراً وسُجنت أشهراً عدة بتهمة العقوق، وهي التهمة التي يعتبرها الحقوقيون سيفاً مسلطاً على رقاب النساء.

 

 

 

 

رصيف 22