بين الانسحاب الروسي الأول من سوريا قبل عام وإعلان الانسحاب الأخير، جردة حساب طويلة للحملة العسكرية الروسية التي بدأت في سبتمبر العام 2015.

لكنها جردة ذات بُعدين، الأول يسجل نجاحاً ساحقاً لتلك الحملة والثاني يصوّب على أخطاء باهظة ارتكبها الروس بحق المدنيين والأرض.

فما أبرز الثغرات التي شابت الحملة الروسية، وكيف تمّ تسجيل الأخطاء بحق المدنيين، اعتماداً على الفيديوهات نفسها التي بثتها وزارة الدفاع الروسية في معرض التباهي بنجاحها؟

انسحاب أم بقاء؟

في الرابع عشر من شهر مارس 2016، وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير دفاعه لبدء سحب المجموعات الروسية من سوريا اعتباراً من اليوم التالي.

كانت الحجة حينها “إنهاء القوات الروسية تنفيذ مهماتها”. وحسب البيان الروسي، أبلغ بوتين الأسد بالقرار هاتفياً، في حين أقر باحتفاظ موسكو ببعض التواجد العسكري في قاعدة حميميم والقاعدة البحرية في طرطوس.

بعد حوالي العام، حطّ بوتين بشكل مفاجئ في قاعدة حميميم العسكرية. هناك، التقى بالرئيس السوري وأبلغه شخصياً قرار بدء انسحاب القوات الروسية من سوريا.

الحجة كانت “أداء القوات الروسية لمهامها في محاربة الإرهاب”.

بدا الكلام عن الانسحاب، هذه المرة، جديداً، لكنه لم يختلف عن ذاك الذي سبقه في الشكل. ستحتفظ روسيا بـ”نقاط مرابطتها الدائمة” (حميميم والقاعدة البحرية)، كما سيستمر عمل المركز الروسي للمصالحة السورية في حميميم.

وأعلن قائد المجموعة الروسية في سوريا سيرغي سوروفيكين أنه تلقى أوامر بسحب 23 طائرة حربية متعددة الأنواع ومروحتين من طراز “كا-52″، إضافة إلى سحب قوات مثل فريق الشرطة العسكرية الروسية وفريق خاص ومشفى عسكري ميداني وأيضاً فريق مركز إزالة الالغام.

لكن روسيا تمتلك في سوريا أكثر من 50 طائرة ومروحية، من بينها قاذفات من أنواع مختلفة ومقاتلات وطائرات هجومية في قاعدة حميميم الجوية بالقرب من مدينة اللاذقية، ومجموعة من السفن الحربية يقدر عددها بـ4 سفن.

شكك البنتاغون بجدية الانسحاب الروسي، تزامناً مع إبقاء بوتين التواجد العسكري الروسي في سوريا مفتوحاً، وكذلك التهديد الروسي، إذ أعلن أنه “في حال رفع الإرهابيون رأسهم من جديد، فسنوجه إليهم ضربات لم يروها من قبل”.

كانت العملية الروسية العسكرية قد بدأت في سوريا في 30 سبتمبر العام 2015، حينها قيل إن التدخل جاء بطلب من الرئيس السوري بشار الأسد. كما تمّ الترويج أن العملية تهدف إلى “القضاء على تنظيم داعش الإرهابي، ودعم القوات السورية في محاربة الجماعات الإرهابية الأخرى على أراضيها”.

في المقابل، ووجهت الحملة الروسية بانتقادات حادة صوّبت على استهداف الضربات الجوية الروسية لمرافق غير تابعة لداعش ولمدنيين لا يمتون للتنظيم بصلة.

أقوال جاهزة

شاركغردأمثلة بسيطة عن الأخطاء الباهظة التي ارتكبها الروس بحق المدنيين في سوريا والبروباغندا التي رافقت الحملة الروسية منذ 2015

شاركغردبين الانسحاب الروسي الأول من سوريا قبل عام وإعلان الانسحاب الأخير، جردة حساب طويلة للحملة العسكرية الروسية…

جردة حساب… بمنظارين

تزامناً مع إعلان الانسحاب، انتشرت “معطيات دائرة العمليات العامة”، التابعة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، التي كشفت حصيلة التدخل الروسي في سوريا.

المعطيات تشير إلى تدخل عسكري روسي فاعل في قلب الموازين في سوريا، فما كانت حصيلة هذا التدخل في العامين ونيف الماضيين؟ وماذا عن الحصيلة المناقضة لتلك الرسمية، والتي كشفت ثغرات كثيرة عرّت البروباغندا التي رافقت الحملة الروسية؟

قبل البدء بجردة الثغرات، يمكن الإضاءة على “المعطيات” الروسية الرسمية، التي تكشف عمق التناقض بين الجردتين.

1- الرواية الرسمية: استهداف الإرهابيين

في الرواية الروسية الرسمية، نرى أن القوات الجوية قامت منذ بداية العملية في سوريا بأكثر من 28 ألف طلعة، ووجهت نحو 90 ألف ضربة جوية.

في الأشهر الأخيرة نفذ الطيران الروسي ما يصل إلى 100 طلعة يومياً، وسدد حوالي 250 ضربة جوية في اليوم.

جردة حساب روسياالمصدر: “روسيا اليوم”

بين نوفمبر 2016 ويناير 2017 شارك في العملية ضد الإرهابيين الطراد الحامل للطائرات “الأميرال كوزنيتسوف”، والذي يعتبر السفينة الوحيدة الحاملة للطائرات في الأسطول الحربي الروسي.

ولأول مرة تم استهداف مواقع الإرهابيين بصواريخ “كاليبر” المجنحة. كما وجهت ضربات إلى الإرهابيين قاذفات استراتيجية بعيدة المدى.

وحسب وزارة الدفاع الروسية، تم القضاء على 54 ألف إرهابي في سوريا منذ بدء العملية.

2- الجردة المناقضة: استهداف مدنيين ومرافق عامة

بحسب الرواية الرسمية الروسية، لم يكن يوجد في سوريا فصائل معتدلة. كان ثمة “الإرهابيين” من جهة والفصائل التي تدور في فلك النظام من الجهة الأخرى.

وعند بدء الحملة الروسية، كان لافتاً تزامنها مع حملة صناعة رأي عام متحمس للكرملين.

انتشرت الأغاني التي تمجد الروسي في سوريا، وبث التلفزيون السوري أغنية “كاتيوشا” مرات عدة.

كما انتشرت القمصان المطبوعة بصورة بوتين، في حين بدت الشخصية السورية في الإعلام الروسي مسكينة يتلاعب بها القطري والسعودي، وداعش مؤلف من المرتزقة حصراً.

نُسبت الفيديوهات التي تظهر الدمار إلى “داعش” أو “التحالف”، واعتُبرت الضربات الجوية موجهة حصراً إلى “الإرهابيين”.

وبحسب الأرقام التي تناقلتها الوكالات عن مصادر حقوقية فإن القصف السوري أدى خلال عامين إلى مقتل أكثر من 6300 مدني منهم أكثر من 1500 طفل.

قد لا يكون تأكيد أرقام مماثلة مهمة سهلة، لكن استعراض بعض الثغرات الروسية التي تمّ توثيقها يكشف نمطاً روسياً ساد منذ بداية الحملة.

محطة المياه في الخفسة

في العام 2015، أعلنت وزارة الدفاع الروسية ضرب معمل نفط يديره تنظيم الدولة الإسلامية، ليتبيّن لاحقاً أنه محطة مياه تغذي سوريا بـ18 مليون ليتر من المياه الصالحة للشرب.

في تقرير نشرته مجموعة “Bellingcat” (المعنية بالتحقيق باستخدام المصادر المفتوحة والتحديد الجغرافي)، تبيّن أنه في مطلع ديسمبر 2015 نشرت وكالة “أعماق” التابعة لـ”داعش” فيديو يتهم القوات الروسية بضرب محطة المياه في الخفصة في حلب.

بعد يوم واحد، نشرت وزارة الدفاع الروسية فيديو على يوتيوب وتويتر يدّعي ضرب قواتها لمعمل نفط تابع للتنظيم.

وكانت وكالة “سانا” السورية الرسمية قد نشرت في 27 نوفمبر خبر ضرب محطة المياه في الخفصة، لكنها اتهمت قوات التحالف الدولية بالمسؤولية عن ذلك.

INSIDE_SyriaRussia_KhafsaCompleteDamage

INSIDE_SyriaRussia_KhafsaCompleteالمصدر: Bellingcatفي المحصلة، أظهر الفيديو الذي بثه الروس أنفسهم أن الموقع الذي قصف هو نفسه التابع لمحطة المياه السورية، في وقت كانت التقارير العالمية تتحدث عن أزمة مياه قاسية تهدد سوريا.

المدنيون والمشافي

وثقت منظمات ومبادرات عدة الاعتداءات الروسية على المدنيين والمشافي والمدارس والبنى التحتية، ودائماً من خلال استخدام “المصادر المفتوحة” وتقنية التحديد الجغرافي.

من هؤلاء مبادرة “الأرشيف السوري” التي تعرف نفسها بأنها “تتألف من نشطاء في مجال حقوق الإنسان، الذين يكرّسون جهودهم تجاه حفظ، إدارة وتحليل الوثائق البصريّة المتعلقة بإنتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الأخرى المُرتبكة من قبل جميع الأطراف خلال النزاع في سوريا”.

أسست “الأرشيف السوري” قاعدة بيانات تتضمن معظم الانتهاكات الروسية بحق المدنيين في سوريا، ومن ضمنها أكثر من 1500 فيديو قالت المجموعة إنها تأكدت منها عبر وسائل عدة، منها التحديد الجغرافي وتعقب الأسلحة المستخدمة (شكل الطائرة، ارتفاعها، سرعتها…) والتواصل مع شهود عيان.

ومن بين ما نشرته، بالتعاون مع مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، لائحة تتضمن أسماء 2068 مدني، بينهم الكثير من الأطفال، قتلوا على أيدي القوات الروسية وتم تحديد تاريخ ومكان وفاتهم.

كما نشرت، بالتعاون مع “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” و”العدالة من أجل الحياة”، تقريراً كاملاً كشف تعرّض 25 مستشفى أو مُنشأة طبية في سوريا لهجوم خلال شهر أبريل العام 2017.

وقد وجد التقرير أن 91% منها قد نُفّذ بواسطة قوات الحكومة السورية أو القوات الروسية، معظمها في إدلب.

وهو ما أكدته “منظمة العفو الدولية” حينها باعتبار ضرب المستشفيات “استراتيجية حرب” يعتمدها الروس ومعهم النظام السوري.

استخدام صور مزيفة

من بين المآخذ على البروباغندا الروسية لجوؤها مثالاً إلى ترويج صور مزيفة لدعم ادعاءاتها.

من بين تلك الصور تلك التي وثقها التقرير المعمق لإليوت هيغينز والذي كشف استخدام وزارة الدفاع لصور من أحد ألعاب الفيديو.

في مطلع الشهر الماضي، نشرت وزارة الدفاع الروسية صورة قالت إنها قافلة تابعة لداعش تغادر البوكمال، واستندت إليها لتؤكد تعاون أمريكا مع التنظيم المتشدد.

INSIDE_SyriaRussia_Bukamalالصورة التي نشرتها وزارة الدفاع

لكن بـ”قليل من البحث”، كشف هيغينز أن الصورة مأخوذة من لعبة فيديو اسمها “AC-130 Gunship Simulator”.

الضربات الجوية

بخصوص الضربات الجوية، وثقت كل من مجموعة “Airwars” (التي تعقبت ضربات “التحالف” والروس في سوريا والعراق وليبيا) و”Conflict Intelligence Team (المكونة من باحثين روس) محصلة الضربات الجوية الروسية ضد المدنيين.

في التالي خريطة نشرتها Airwars حول الضربات الروسية خلال عامي 2015 و2016.

INFOGRAPHIC_RussiaSyriaWar3

ما سبق لا يُعدّ سوى أمثلة بسيطة عن نمط سيطر على الحملة الدعائية الروسية تزامناً مع تلك العسكرية، في حين يحتمل البحث في التجربة الروسية على مدى العامين الماضيين، كما في تلك التي بقيت مفتوحة على المستقبل، النقاش في الكثير من البروباغندا والثغرات.

أما لمن قد يعتبر التصويب على الأخطاء موجهاً حصراً للحملة الروسية، فللتحالف ملف كامل من الثغرات وثقته كذلك الجهات التي سبق ذكرها. لكن يبقى الفرق بين الطرفين قائم على آلية إدارة الحملات الدعائية والذكاء في التعامل مع الأخطاء التي يتم توثيقها.

هيفاء زعيتر | رصيف 22