في خطابه المتلفز حول القدس ظهر أمين عام «حزب الله» اللبناني على غير عادته، في منتهى الهدوء، في منتهى «الرواق» بالدارج اللبناني. وفي وقت توقع الجمهور خطاباً نارياً، تصل النار فيه إلى ما بعد القدس، ظهر سماحة السيد وديعاً ورائقاً، من دون السبابة الغاضبة إياها، من دون صوت تقريباً، فقط مع نصائح هامسة تقدّر عالياً سكّان مواقع التواصل الاجتماعي، أولئك الذين طالما اعتاد الممانعون على السخرية منهم باعتبارهم «ثوار الفيسبوك»، أو المناضلين عن بعد.
قال نصرالله: «إذا كل يوم، اللي قاعدين على مواقع التواصل الاجتماعي يدينون ترامب وما قام به، ويؤكدون على أن القدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين، بيطلع ملايين التغريدات، ملايين المواقف، وخلال أيام وأسابيع هذا ينعكس على الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، سيحوّل الفرحة إلى غمّ».
مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلوا مع خطاب نصرالله، رحّبوا بزميلهم الجديد، مطلقين عليه وصف «الناشط السلمي»، تداولوا ذلك المقطع من الخطاب، إلى جوار خطاب آخر قديم غاضب يظهر فيها الرجل كما هو معتاد، مع صوت عال يهدد «إذا احتاجت المعركة أن أذهب أنا وكل «حزب الله» إلى سوريا سنذهب إلى سوريا».
لقد استدعى منه مقام السيدة زينب في دمشق الانخراط في الحرب لسنوات، دفع خلالها، وما زال، الكثير من مقاتليه قتلى أو جرحى، كما استدعت منه الطريق إلى القدس، التي تمرّ من القلمون والزبداني، كما قال ذات مرة، أن يدفع ثمناً باهظاً للغاية، لكن القدس نفسها لم ولن تستدعي سوى الجلوس وراء الكمبيوترات وإطلاق ملايين التغريدات.
الطريق إلى القدس أثمن من القدس!

تغريدة بيلا حديد

تغريدة عارضة الأزياء الأمريكية، ذات الأصول الفلسطينية بيلا حديد كانت من بين الأكثر تداولاً. لقد فوجئ كثير من الفلسطينيين أن لديهم عارضة أزياء بهذا الجمال، وهي تتربع اليوم على عرش عروض الأزياء، ومن ثم بأن يكون لديها هذا الالتزام بقضيتها، حين كتبت تغريدة مطولة ترى فيها أن قرار ترامب غير عادل، معلنة حزنها وتعاطفها مع الشعب الفلسطيني.
حديد قالت في تغريدتها: «أجد من الصعوبة أن أكتب، بعد أن رأيت الحزن في عيون والدي، وأبناء عمومتي، وعائلتنا الفلسطينية. وأشعر أننا أصبحنا نعيش في عالم يخلو من السلام». وأضافت: «هذا يعد انتهاكاً للقانون الدولي، ونكسة هائلة لأي أمل في السلام… إن القدس هي دائماً عاصمة فلسطين المحتلة، إن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل هو تحرك محسوب لجعل الفلسطينيين يفقدون الأمل في كسب الاستقرار في بلدهم».
بيلا حديد تغرد إذاً من أجل القدس، وترفق التغريدة مع صورة للمسجد الأقصى، ليس في الأمر أي غرابة، فأن يكون المرء (المرأة) عارض أزياء لا يعني أنه بلا وطن، و أنه لا يحن إليه ويغرد من أجله.

واكيم يستثني

في مقابلة معه في برنامج «آخر طبعة» على قناة «الميادين» قال النائب اللبناني السابق نجاح واكيم، في معرض حديثه حول تداعيات إعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس «عروش الحكام مرتبطة بالرضا الأمريكي الإسرائيلي ولا تقوم على شرعية شعبية».
ثم توجّه للمذيع بالسؤال «هل يمكنك الآن أن تسمّي لي زعيماً عربياً يتمتع بأدنى شعبية في بلده؟». ولا ينتظر واكيم الجواب فيقول «ولا واحد». لكنه يستدرك على الفور ويوضح «باستثناء: بشار الأسد».
وعلى الفور وقعت عيني أسفل الشاشة، حيث التعريف عن واكيم بأنه «منسق الجبهة العربية التقدمية»، وقد قرأتها «الجبهة الوطنية التقدمية»، والأخيرة هي تحالف أحزاب سوري معروف بالولاء الشديد للنظام، ولطالما اعتبرت رمزاً لتدجين الحياة الحزبية السورية.

قصائد منبرية

إن أردتَ طريقة لاختبار معدن القصيدة فلن تجد خيراً من إنزالها عن المنبر، أنزلها كذلك عن خشبة المسرح، وكذلك حاول ألا تسمعها مرفقة بفيديو كليب، أو أي نوع من الموسيقى. الطريقة المثلى هي أن تقرأها مكتوبة، هذا إن كان يعني لك حقاً التفريق بين الشعر و»المعر».
لكني اكتشفت أخيراً طريقة جديدة في اختبار القصيدة: أعطها للمذيعة هبة شحادة مقدمة برنامج «صباح النور» على تلفزيون «العربي» كي تقرأها للمشاهدين، فقراءتها الركيكة ستدفعك للتفكير بالكلمات من جديد، للبحث عن الشعر فيها.
هذا ما حدث معي حين استمعت إليها تقرأ مقطعاً من قصيدة الشاعر المصري هشام الجخ، لطالما سمعتها متلفزة، ذاك الذي يقول «تقاتِلُنا طفولتُنا وأفكارٌ تعلَّمنا مبادئها على يدكم أيا حكامَ أمتِنا..»، ليصل إلى القول «أنا العربيُّ لا أخجلْ، وُلِدتُ بتونسَ الخضراءِ من أصلٍ عُمَانيٍّ، وعُمري زادَ عن ألفٍ، وأمي لم تزل تحبَلْ، أنا العربي في بغدادَ لي نخلٌ وفي السودانِ شرياني.. أنا لا أحفظُ الأسماءَ والحكامَ إذ ترحلْ، سَئِمنا من تشتُتِنا وكلُّ الناسِ تتكتّل».
كان واضحاً بالنسبة لي أن لا شعر في هذه الكلمات، بل سرعان ما يلاحظ المرء أنها مجرد تنويع على قصيدة لمحمود درويش يقول فيها «نعم عرب و لا نخجل، و نعرف كيف نمسك قبضة المنجل، و كيف يقاوم الأعزل». لقد استعار الجخ القافية بالإضافة إلى بعض التراكيب، لكن لا شك أن جمهور المستمعين العرب مأخوذ بالأداء المسرحي والمؤثر لهشام الجخ، وكان قدّمه في مقابلة تلفزيونية ذائعة الصيت، وبالتالي ليس من السهل تمييز الشعر في خضم تلك المنبرية.
لقد استطاعت المذيعة شحادة أن تخلص القصيدة من منبريتها، وبالتالي رفعت عنها قوة التأثير العاطفي، هكذا جعلتها متاحة للاختبار.