من بين ما قال المخرج السينمائي السوري جود سعيد، أحد أبرز ممثلي النظام السوري، في فيديو بث أخيراً على موقع صحيفة «النهار» اللبنانية، متحدثاً عن تصوير فيلمه «مطر حمص»، إنه حين بدأ التصوير في أماكن أحداث الفيلم الحقيقية، أي في أحياء مدينة حمص المدمرة، رافقه الناس وكانوا دائماً يروون له كيف حدثت الوقائع، وهو، حسب قوله، أجرى تعديلات وإعادة كتابة لكثير من المشاهد في ضوء رواياتهم.
هذا يعني أن فيلمه سيأتي مصدّقاً لرواية واحدة، رواية هؤلاء الذين أتيح لهم أن يبقوا في المدينة المدمرة. ولكن من بقي في حمص الجريحة غير أبناء النظام، والمرضي عليهم، أو أولئك الذين لن يقدروا على قول ما في الصدور خشية مصير أبناء مدينتهم، أولـئك الذين ذبحوا على الهواء مباشرة في اعتصام ساحة الساعة، وفي قلب المدينة، وحي بابا عمرو، وسواها من أحياء.. الرواية الأخرى، الفيلم الآخر بعهدة الذين باتوا أديم الأرض، أو في معتقلات النظام، أو أنهم شردوا إلى المخيمات على الحدود وفي أرض اللجوء الواسعة.
هذا فيلمك، وروايتك، ولهؤلاء رواياتهم وأفلامهم التي لا بد ستأتي. لن تتمكن من إيقافها مهرجانات السينما، ولا نقاد السينما المتواطئون، ولا أبواق النظام المجرم.

انتحار على الهواء

أتاحت المحاكمات العلنية للمجرمين، المتلفزة خصوصاً، فرصة كبيرة لاستعراض فنون الخطابة والظهور الممسرح، فإدراك هؤلاء أنهم تحت الأنظار جعلهم يستنهضون عدّتهم الخاصة بالتأثير، خصوصاً أن جزءاً من جمهور بلادهم ما زال تحت تأثيرهم.
لقد أتاح ذلك للمجرمين اختراع ذرائع نبيلة لجرائمهم. ربما كان الدرس الوحيد هو درس درامي بحت، أن نعرف أن للمجرم منطقاً وأهدافاً ومسوغات، ولن يظهر كما تقول الحكايات المخيفة، بأنياب وفكين مفترسين ودم على الشدقين.
فقد يحدث أن يكون المجرم مهندساً، بالإضافة إلى تخرّجه من كلية للعلوم الإنسانية والاجتماعية متخصصاً في الفلسفة وعلم الاجتماع، وكذلك خريجاً من أكاديمية للفنون المسرحية. قبل أن يعمل في الإخراج المسرحي والسينمائي والتلفزيوني، لينضم لاحقاً متطوعاً للقوات المسلحة متدرجاً في مناصب عسكرية، مرتكباً أفظع المجازر أثناء الحرب.
أراد سلوبدان برالياك، مجرم الحرب الكرواتي، أن يقدم رفضاً مسرحياً على الشاشات، عندما جرت المصادقة على حكم عليه بالسجن لعشرين عاماً كمجرم حرب. فور النطق بالحكم قال: «سلوبدان برالياك ليس مجرم حرب، أرفض قرار المحكمة»، ثم تجرّع ما عرف لاحقاً أنه السيانيد.
لكن لم يكن لهذا الموت أي صوت، لا صوت ارتطام، ولا تحطّم ولا ضجيج انهيار (كما يحدث حين يُنسف جسر عريق على نهر، كذاك الذي نسفه برالياك)، لا شظايا، ولا «طرطشة» دم، ولا نساء يصرخن. بدا الأمر من دون أن يلتفت إليه أحد تقريباً، حتى من كان بجواره تماماً، لقد اضطره الأمر لأن يعلن ويقول، أن يؤكد ذهابه إلى الموت. أراد أن يكون انتحاره مسموعاً: «لقد تجرعتُ السم»، ليعيد محاميه ويكرر من ثم «لقد تجرع موكّلي السم».
صحيح أن فيديو موت برالياك جالَ حول العالم، وصحيح أن من «رأى السمّ لا يشقى كمن شربا»، لكنه للعموم لم يكن بالتأثير الذي يتوخاه، ولم يغير النظرة إلى جرائمه، وبالعكس، ربما يكون قد أعطى إشارة إلى مجرمين مماثلين حول العالم بأنهم لا يمكن أن يفلتوا.
برالياك لم يفعل سوى الإساءة لشكل نبيل من أشكال الانتحار، من أشكال الرفض، لم يكن بالوسع إلا أن يتذكر المرء الشاعر اللبناني خليل حاوي وهو يصوب بندقية صيد إلى رأسه إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان كأنما ليقول «بيدي لا بأيديهم»، أو الكاتب النمساوي ستافان زفايج حين أيقن أن «الحضارة التي ولدنا فيها أصبحت على وشك الانقراض»، فانتحر في بلد بعيد (البرازيل) وهو يقول تلك العبارة الذهبية «الوقت غروب، وأنا الأقل صبراً، عليّ أن أرحل». لكن أين من هؤلاء من يقول إن الموت أفضل من العدالة!
فوق ذلك لقد أساء برالياك لسمعة السمّ نفسه، فيبدو أنه عبر التاريخ لن نعثر إلا على ميتات قليلة بالسمّ (من بينها انتحار روميو الرومانسي في مسرحية شكسبير الشهيرة)، إذ غالباً ما استعمل ذلك الشيء على سبيل المجاز وحسب (لطالما جرت الإشارة إلى تجرع الخميني للسمّ المجازي، حين اضطر لإعلان وقف الحرب مع العراق بعد ثماني سنوات دامية).
بعد انتحار برالياك السهل وغير المجدي سنرى كيف سيتدبر الطغاة القادمون إلى ما وراء القضبان أمرهم.

لكل ظالم فيديو

أتى نبأ مقتل علي عبدالله صالح متردداً بعض الشيء، وحده الفيديو استطاع تصديق الخبر. سرعان ما جرى تداوله والتذكير بالتشابه الكبير مع فيديو مقتل القذافي، الجمهرة، الصراخ والتدافع حول جثة متراخية تعبث بها الأيدي لصق سيارة مكشوفة، مع جمهرة لأجهزة موبايل تتدافع هي الأخرى لالتقاط صورة. واضح أن مقتل صالح، بل مقتل أي كان، سيكون أقل تأثيراً لو كان مجرد خبر يروى، بعيداً عن الكاميرات، بعيداً عن شاشات التلفزيون، لكن مع فيديو صالح، وقبله فيديو القذافي، وآخرين كثر، من بينهم سفاح رومانيا السابق نيقولاي تشاوشيسكو، أنه يمكن تحويل العبارة التي تقول «لكل ظالم نهاية»، إلى «لكل ظالم فيديو».

السينما في بلد الحريات

أعلن ناشطون لبنانيون في بيان أنهم بعد أن قاموا بإعادة تأهيل وافتتاح «سينما ستارز» (صالة العرض الوحيدة في مدينة النبطية جنوب لبنان) لتكون مكاناً حراً ومستقلاً يستفيد منه الجميع من خلال تنظيم النشاطات الثقافية والفنية وعروض الأفلام وإقامة الورش التدريبية المجانية، وعندما تمكنوا من تأمين المبلغ المطلوب عبر حملة تمويل جماعي للحفاظ على «سينما ستارز» وشرائها، قامت جهة (لم يسمّها البيان) بشرائها قبل أيام قليلة فقط من تاريخ توقيع عقدنا مع مالكي العقار.
وأشار البيان إلى أن تلك السينما تواجه نفس المصير الذي لاقته قبل عامين «سينما الحمرا» في مدينة صور.
هذا ما يحدث في لبنان تحت حكم الحزب الواحد، إقفال صالات سينما، منع عروض أفلام، حظر على استضافة أسماء ثقافية أو فنية وترويعها بالحملات الصحفية وسواها، اتهامات بالجملة للمثقفين والفنانين، هذا في فترة الهدنة، أي في فترة التوقف عن الاغتيالات المباشرة المروعة. هذا «أفضل» ما تعد به دولة الرايات الصفراء.