لم يكُن يدُور في خلد نساء فقيرات متزوجات وأرامل وهنّ يعتزمن التوجه صوب قرية سيدي بوعلام، أنهن يسِرن خطواتهن الأخيرة صوب حَتفهن، قبل أن يلفظن آخر أنفاسهن دهساً تحت الأقدام على أثر حادث تدافع خلال عملية توزيع مساعدات غذائية نظمتها إحدى الجمعيات المحلية بالسوق الأسبوعية سيدي بولعلام في إقليم الصويرة (جنوب المغرب).

فما إن انقشع غبار الفاجعة التي أربَكت المنظمين وأزهقت أرواحاً، حتى انكشف عن حصيلة ثقيلة سببت صدمة للشعب المغربي، وأدت إلى مصرع 15 سيدة وإصابة 7 آخرين بإصابات متفاوتة الخطورة بعضها حرج، باشرت على أثرها الجهات المسؤولة فتح تحقيقات إدارية شاملة، في وقت قرر فيه العاهل محمد السادس التكفل بلوازم دفن ضحايا الحادث ومراسم عزائهم وتكاليف علاج المصابين.

وإن اختلفت الحالة الاجتماعية للنسوة وتباينت أعمارهن، فإن انحدارهن من أسر فقيرة شكل نقطة مشتركة بينهن جميعاً، فيما أكدت المصالح المختصة أن الأمر يتعلق بـ8 سيدات متزوجات و4 أرامل ومطلّقة واحدة وعزباء، بالإضافة إلى سيدة لم يتم التمكن من تحديد هويتها وحالتها العائلية.

 

ما قبل الكارثة

 

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تعمد فيها جمعية “آغيسي للأعمال الاجتماعية” لتنظيم هذه المبادرة، حيث اجتمع زهاء 1500 من النساء والرجال، قادمين من مناطق مختلفة تابعة لإقليم الصويرة ومن خارج الإقليم كذلك، عقب علمهم بنِيّة محسنٌ معروفٌ توزيع مساعدات خيرية تضامنية، تحتوي على كميات من الدقيق والزيت والشاي والسكر، والتي تتراوح قيمتها ما بين 15 و20 دولاراً.

 

الحقوقي عبد الإله خضري، أكد لـ”هاف بوست عربي” أن مصادر محلية مطلعة أكدت له أن بعض النساء عمَدن إلى جلب إبر معهن ليَخِزن بها النساء اللاتي أمامهن، ما يسمح لهن بالتقدم أكثر صوب منصة توزيع المعونات ودفع الأخريات جانباً، وهو ما سبَّب الكارثة!

ولفت رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان إلى أن سوء التنظيم وتفضيل بعض المعارف والمقربين كانا سبباً كذلك في التدافع والفوضى التي ضربت المكان، لافتاً إلى أن السلطات المحلية لم تواكب حجم هذا الاستقطاب الذي حققته مبادرة الجمعية، وتعاملت باستسهال مع الحدث.

ورغم أن ناجيات من حادث الدهس أكدن، في تصريحات متطابقة لوسائل إعلامية مختلفة، انبعاث دخان وسط التجمع الكبير والفوضوي، لافتات إلى أن الرائحة تتعلق بالكبريت الذي أصاب النساء بالاختناق وأفقدهن الوعي، ليتم رفس العديد منهن وركلهن وسقوط الحواجز الحديدية عليهن- فإن السلطات الطبية المحلية بإقليم الصويرة، أوضحت أن الاستماع للضحايا والقيام بالفحص السريري والكشوفات المخبرية والأشعة، بيّن عدم تسجيل أية إصابة بسبب وجود دخان أو غاز في تلك اللحظات.

 

جثامين النسوة الـ15 بقيت مسجّاة على أرضية الساحة الترابية لسوق زاوية سيدي بولعلام، إحدى أفقر الجماعات القروية بالإقليم السياحي والساحلي، وتم نقلها لاحقاً صوب مستوصف القرية ووضع بعضهن بجانب بعض على أرضيته العارية، قبل أن تنقل جثامينهن لاحقاً إلى مستودع الأموات بمدينة الصويرة.

 

فقر أم سوء تربية؟

 

توقف فيسبوكيون مغاربة طويلاً أمام الأسباب الحقيقية للحادث، وإن كان معظمهم قد وجه سهام انتقادات لاذعة للوضعية الهشة والظروف الفقيرة التي تعانيها هذه الأسر والنساء، ذهب آخرون إلى لوم تصرفات الضحايا وعدم احترامهم الدَّور وميلهم نحو التدافع والفوضى واللهفة نحو كل ما هو مجاني.

الدكتورة خلود السباعي، باحثة في علم النفس الاجتماعي، سارت نحو تأكيد أن المشكل الحقيقي لا يكمن في الفقر، “وإلا فدول أفقر من المغرب وتعيش على وقع المجاعات والحروب وفي مناطق النزاع، لم تشهد مثل هذا الحادث”، وفق ما أكدته لـ”هاف بوست عربي”.

وترى الأستاذة بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، أن المشكل يكمن في طريقة انتظار وأخذ المساعدة الغذائية، متسائلةً إن كانت هؤلاء النساء بحاجة لفقد حياتهن من أجل سلة غذائية، نافيةً أن يكون الفقر هو السبب الرئيسي للحادثة؛ بل إن الإشكال يتعلق بالتنظيم واحترام الدور وبالوعي وكيفية التصرف اللائق.

“أينما وُجدت النساء يكنّ أقل ترتيباً وتنظيماً وأكثر مدعاة للفوضى والشنآن والسلوكات غير الأخلاقية، حتى في المساجد! كما يملن نحو استعمال الحيلة والمكر والكيد”، وفق تعبير الأستاذة الجامعية، التي دعت للاهتمام أكثر بتعليم النساء وتوعيتهن وعدم تهميشهن.

 

جشع وتهافت

 

ورغم ما أبداه من تضامن وأسف على ما لحق ضحايا المعونة الغذائية، وتفهّم كبير للهشاشة والفقر اللذين يعشن فيهما- فإن الحقوقي عبد الإله الخضري أخذ على النساء مَيلهن نحو ما اعتبره “جشعاً وتهافتاً” على مثل هذه المبادرات المجانية، التي كانت نتاج معاناة مريرة وضيق العيش والحرمان والضغط الأسري من طرف الأزواج.

وأشار الفاعل الحقوقي إلى أن هؤلاء النساء المهمشات والفقيرات المطلقات والأرامل والمتزوجات بمعطلين ومعتقلين في السجون، لا تُستعملن سوى خلال الانتخابات، ويتم عدُّهن خزاناً انتخابياً، ولا يهتم بهن أحد خارج هذه الفترة ولا يُستمع لهمومهن ومشاكلهن، موضحاً أنهن يخضعن لعملية تجويع تضعهن تحت تأثير ضغوط اجتماعية واقتصادية وتجعلهن بتركيبات نفسية متطلعة ومتلهفة ومقاتلة من أجل سلة غذائية رخيصة الثمن، على حد قوله لـ”هاف بوست عربي”.

 

وداع أليم

 

حزن كبير وألم غائر، ذلك الذي لفّ مدينة الصويرة وعدداً من قراها وهي تشيّع جثامين الأمهات الـ15 اللاتي خلفن 44 يتيماً، حيث تجمع أقارب وأبناء الضحايا أمام مستودع الأموات لمرافقة الجثامين نحو مثواها الأخير.

عويل وصراخ ودموع حارقة رافقت سيارات نقل أموات المسلمين صوب قرى فقيرة ونائية، وهي الجنائز التي عرفت حضور مسؤولي الجهة والإقليم، على رأسهم والي حهة مراكش آسفي عبد الفتاح البحيوي، مرفوقاً بعامل إقليم الصويرة جمال مختتار، وعدد من المنتخبين والفعاليات المدنية والعسكرية.

شقيقة إحدى القتيلات، أكدت بلهجة غاضبة، خلال اتصال هاتفي مع “هاف بوست عربي”، أن “المبادرة الخيرية التي تحتاج إلى توثيق وتصوير بالكاميرا ليست صدقة وإنما رياء”، متابعةً بالقول: “لا بد من محاسبة القائم على العملية والذي كان سبباً في قتل نساء تركن ايتاماً صغاراً وكباراً”.

وتتابع المتحدثة بغصَّةٍ في الحلق: “كانت شقيقتي أرملة ولها من الأبناء ثلاثة، ولا معيل اليوم لأبنائها بعد أن فقدوا الأب والأم معاً!”، خاتمةً كلامها بصوت صارخ ومستغيث: “حسبنا الله ونعم الوكيل”.

 

مسؤول كبير أمام القضاء

 

وفي الوقت الذي دعا فيه مغاربة إلى إعلان حداد وطني على أرواح المقتولات اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 32 سنة و80 عامًا، قضين دهساً تحت الأقدام واختناقاً- انبرى آخرون في التساؤل عن المسؤول الحقيقي حول الفاجعة، في وقت تم فيه اعتقال المقرئ عبد لكبير الحديدي، المسؤول عن عملية التوزيع.

وبالإضافة إلى فتح تحقيق من طرف المفتشية العامة للإدارة الترابية، أمر الملك محمد السادس بالاستماع لمحافظ إقليم الصويرة من قِبل القضاء، في إطار التحقيق القضائي الذي فتحته النيابة العامة المختصة، في ظل الاحترام الدقيق للقانون.

فيما دعا الملك إلى الحزم في تأطير عمليات الإحسان العمومي وتوزيع المساعدات على الساكنة المعوزة، موضحاً أن هذه المبادرات المحمودة في حد ذاتها، لا ينبغي القيام بها دون تأطير متين يضمن أمن وسلامة المستفيدين والمحسنين على حد سواء، مضيفاً أنه لهذا السبب، فإن الإطار القانوني التنظيمي يبقى ضرورياً؛ من أجل حماية التقليد العريق للتضامن والتكافل وضمان الأمن.

 

قرية مهمشة

 

وليست هي المرة الأولى التي تنظم فيها الجمعية المحلية، برئاسة عبد لكبير الحديدي وشقيقه، هذه المبادرة الخيرية التي وصلت سنتها الخامسة؛ إذ كانت تُنظم على مدى سنوات على مستوى جماعة “إغيسي”، قبل نقلها هذه السنة صوب السوق الأسبوعية لجماعة سيدي بولعلام التي يبلغ عدد سكانها، بحسب إحصاء 2014، 8 آلاف و142 شخصاً، يشكلون 1591 أسرة.

ويعمل الحديدي، الذي كان يوزع المساعدات الغذائية قبيل الحادث، إماماً وخطيباً بمسجد “السبيل” في مدينة الدار البيضاء (شمال المغرب)، ويُعد مقرئاً معروفاً بالمدينة، وهي السنة الخامسة التي تشهد فيها المنطقة التي ينحدر منها هذه الخطوة، التي تستقطب مئات المعوزين والراغبين في الاستفادة.

وخضع الداعية لتحقيق حول حقيقة ما وقع؛ للكشف عن ظروف وملابسات الفاجعة قبل أن يتم إطلاق سراحه لاحقاً.