العبور إلى جانب مقر محطة تلفزيون مليئة بمؤيدي الديكتاتور السوري بشار الأسد له طعم خاص.. بصفتك عابر سبيل فقط، تحتسي فنجان قهوة في مقهى إلى جوار مقر شبكة “روسيا اليوم” تتأثر بالمشهد ويلتهمك السؤال: ما الذي تريده روسيا العظيمة بصورة محددة وهي تجازف بالشعب السوري الصابر لمصلحة فئة استحكمت بمصيره؟.
أعلم مُسبقًا أن الإجابة معقدةٌ وصعبةُ وتحتاج على طريقة الراحل غسان كنفاني لـ “حرب ننتصر فيها حتى نتمكن من سؤال موسكو” خصوصًا أن قناة الجزيرة لحظة كتابة هذا المقال كانت تتحدث عن عائلة بريئة قُتل منها ستة أفراد بصاروخ روسي قيل إنه يستهدف “داعش”.
موسكو طبعًا عصية على السؤال والمفارقة التي أخفقت في فهمها بعد الاستفسار من نخبة زملاء تتعلق بذلك الهامش بين قنوات روسية متعددة فيها هامش كبير من الانتقاد للمؤسسة السياسية وتستضيف معارضين أشداء حتى للرئيس فلاديمير بوتين شخصيًا، وشبكة قنوات مخصصة للمستهلك العربي حصريًا، ولا يجد فيها أي معارض سوري مساحة لموقف أو حتى رأي.

موسكو “الأمركة”

في كل حال تلك سياسة وشبكة مصالح معقدة عصية على الاستدراك ولا تقلل من هيبة موسكو المدينة والتجربة لأنها باختصار تلك المدينة التي يبلغك كل شبر فيها بأنها “أعظم مما نعرف نحن العرب”.
الهامش الديمقراطي في موسكو يمكن مصادفته بعدة مواقع خصوصًا عند الإصغاء لتلك الترجمات الصحافية على شاشات فضائية، لكن حتى بعض أنفاس ذلك الهامش ممنوعة على الشعب السوري، في مفارقة تكرسها دوما تلك الدول العظمى، كما تفعل الولايات المتحدة، فقط، وهي تمارس الديمقراطية بالداخل، وتدعم كل ديكتاتور ومستبد في العالم الثالث.
عموما؛ بعد الانطباع الأول يمكن القول إن أجمل ما في موسكو أنها تًدُلّك على نموذج عصري أو يتعصرن، لكن من دون “أمركة” فحتى كلمة ماكدونالد كتبت على اللوحات بالروسية، لا بالإنكليزية.. بصراحة يثير ذلك إعجابي وغيرتي في الوقت نفسه.

كيف يتبخر “داعش”

لكن بعيدًا عن موسكو وفي المشهد المتلفز العراقي تسقط القاعدة الشهيرة لحسني البرازان.. “إذا أردت أن تعرف ما يحصل في البرازيل ينبغي أن تعرف ما حصل في ضيعة تشرين”.. على شاشة البغدادية ظهر مجددًا صوت حيدر العبادي في نشرة إخبارية خاصة وهو يزف بشرى جديدة للشعب متحدثًا عن طرد “داعش” من القائم ومطاردة علوجها في “راوه”.
قالت لنا سابقًا فضائية دجلة مع شقيقة لها اسمها الفرات إن “داعش” انتهى في الموصل وعلى شاشات الحزمة الفضائية التي ترتدي عمة سوداء في العراق العظيم سمعت شخصيًا مرارًا وتكرارًا تلك النبرة التي تقول إن كتائب الحق والحشد البطلة تطارد “داعش” في معقله الأخير.
تلك المعاقل الأخيرة فيها بداية لكنها بلا نهاية، فكلما انتهينا من معقل فوجئنا بآخر، وهكذا دواليك، حتى نمنا ونحن نسأل عن ذلك الكم الغامض المجهول من “الدواعش” الذي تم الانتصار عليه وكأن “داعش” مجرد فكرة، لا يوجد فيها عدة ولا عتاد ولا رجال ولا جثث ولا أسرى ولا جرحى.
العدوى نفسها انتقلت لتلفزيون القناة الفضائية السورية، فقد طردت “داعش” من تدمر لتطرد مرة أخرى من السويداء ثم دير الزور وكل البيانات على شاشة بشار الأسد لا تَقُل لنا نحن معشر المشاهدين أين تبخر “داعش” وكل ما نعرفه صيغة “… سيطر جيشنا البطل وطرد “الدواعش”..إلخ”.
أين بصورة محددة تم طرد هؤلاء ؟.. كيف يتنقلون أصلا بين مدن العراق وسوريا برشاقة، وعلى طريقة الفاصل الدعائي الشهير على التلفزيون الأردني عن كريمات ضد نمو الشعر حيث يقول بطل الدعاية باسم الشعرة المتحدية كلمتين.. “برجع بطلع”؟.
ولا برنامج أو خبر واحد على شاشات دمشق وبغداد يعرض لنا صورة “داعشي” أسير أو قتيل أو يشرح لنا أين تبخر القوم وكل ما نراه واحد من مشهدين.. عمارات وأبنية تتكوم فوق جثث أطفال ونساء ومدن مدمرة بالكامل أو حافلات مكيفة بترتيب دولي وإقليمي تنقل عناصر “داعش” هنا وهناك.

خشونة التوقيف

بصراحة لم يكن ذلك يحصل سابقا.. محطة الأردن اليوم وعبر الزميلة اللامعة هناء الأعرج وفي برنامجها الاستقصائي “حديث اليوم” تفرد مساحة للتمحيص والتدقيق في حادثة اعتقال أحد الإعلاميين بقسوة أمام زوجته وأطفاله.
القضية أثارت نقاشًا حادًا وإن كانت الحقيقة لم تتضح بعد والسبب أن المجتمع الأردني لا يتقبل بأي حال صورة اعتقال شخص في الشارع أمام الكاميرا، فيما أطفاله يصرخون في الشارع وزوجته تزاحم رجال دورية واجبهم إنفاذ القانون.
الزميل الإعلامي يفترض أنه مطلوب على ذمة دعوى قضائية تقدم بها مسؤول في الديوان الملِكِي بصفته الشخصية وهذه خطوة أصفق لها شخصيًا على أساس أن المتضرر يلجأ للقضاء شريطة أن لا تجامل أجهزة التنفيذ أحدا على حساب القانون.
رجل الشرطة لديه جهاز كمبيوتر فيه أسماء المطلوبين للقضاء وليست وظيفته إطلاقا مراعاة أي اعتبار عائلي أو إنساني.
حالات العنف الفردية عند بعض رجال الأمن تكاثرت مؤخرا وإن كان شريط الفيديو يظهر بوضوح زوجة المعتقل وهي تشتبك مع رجال الأمن وتخلع حذاءها لضرب أحدهم في سلوك لا يمكن قبوله.
الجميع مخطئون في هذه الحالة.. الزميل الذي كان ينبغي أن يستسلم لأمر الأمن بهدوء والزوجة التي انفعلت ورجال الأمن أيضا الذين تصرفوا بخشونة أمام أطفال في الشارع العام ..الرحمة مطلوبة في الأردن بالقدر نفسه الذي نطالب فيه باحترام القانون وحراسه.