فجأة، انتشرت عناصر أمنية بلباس مدني، مسلحة ببنادق، الى جانب قفص الاتهام وداخل قاعة المحكمة وخارجها، لحراسة الامير السعودي الشاب عبد المحسن بن وليد بن عبد العزيز، والى جانبه مرافقه مواطنه يحيى الشمري. خجل الامير المتأنق بشعره المصفف بمظهر الأصفاد تكبل يديه، فلفها بوشاح يتناسق ولون بزته الرمادية الانيقة وحذاءه المخملي الاسود. شوهد يفرك يديه عندما انتزعها رجل الامن منهما، من دون ان تغيب ابتسامته من فينة الى اخرى، في ردة فعل على اجوبة مرافقه الموقوف يحيى الشمَري لدى استجوابه من محكمة الجنايات في جبل لبنان برئاسة القاضي عبد الرحيم حمود. ووزع الامير هذه الابتسامة على امرأتين حضرتا الجلسة، احداهما متقدمة في السن تقول إنه من معارفها.

أدخل الامير من الناحية الخلفية للقاعة المؤدية الى قفص الاتهام مباشرة، وجلس على المقعد الى جانب مرافقه الذي لم تفارق عبارة “سمو الامير” ثغره كلما اتى على ذكر المتهم الجالس الى جانبه. وما لبثا ان وقفا داخل القفص على مدى ساعتين ونصف ساعة حتى انتهاء جلسة استجواب الشمري ورفعها الى 13 كانون الاول المقبل لاستجواب الامير.

أوقف الشمري والامير في مطار بيروت في 26 تشرين الاول 2015 إثر ضبط طنين من حبوب الكبتاغون المخدرة موضبة في صناديق وحقائب تمهيدا لتهريبها في الطائرة الخاصة به، وباستجوابه امام المحكمة حيث يواجه عقوبة السجن خمس سنوات مع الامير، تراجع عن جميع اعترافاته الاولية، معترفا بتعاطيه المخدرات فحسب. وقال: “أؤيد اول 10 او 15 صفحة من افادتي الاولية في مكتب مكافحة المخدرات، ولا أؤيد ما تبقى منها باعتبار ان ما ورد فيها جاء بعد وعدي باطلاقي من السجن خلال اسبوع، وترافق ذلك مع ضغط نفسي عشته فوقعت على جميع ما ورد في تلك الافادة”.

“أنا عبد مأمور”

سئل الشمري في حضور وكيله عماد السبع عن تنسيقه مع المتهمين الذين قررت المحكمة في الجلسة السابقة محاكمتهم غيابيا، وهما السعودي خالد الحارثي ومحمد رويلي بموافقة الامير على تهريب الحبوب المخدرة، فأجاب: “غير صحيح. انا عبد مأمور أنفذ ما يقوله سموه. ولا أخطو اي خطوة الا بأمر منه لاني موظف عنده. ولقد أمرني بأن انقل حقيبتين على اساس انهما يحتويان حبوبا منشطة “فياغرا” من فندق فورسيزن الى المطار في سيارة فان لم اشاهدها، استؤجرت بأمر من الامير”. واخبر المحكمة انه يزور لبنان للمرة الاولى “واستقبلني مروان الكيلاني الذي تعرفت اليه للمرة الاولى ايضا، ووضع شريحة في هاتفي الخليوي الذي يستوعب خطين واستعملت تلك الشريحة. ضبطته الاجهزة الامنية. وعندما ذهبنا الى المطار للمغادرة بطلب من سموه وصلت سيارة الفان. وحينذاك تحادثت هاتفيا مع والدي على هاتف رقمي السعودي”، مشيرا الى ان مروان الكيلاني استأجر السيارتين اللتين اقلتا الامير ومرافقيه الى الفندق بعد وصوله الى المطار”.

وأوضح الشمري أنه وكيل شقيق الامير الموقوف عبد المحسن. وطلب مني سموه أن أرافقه”.

“أطبّ في النار”

وسئل عن مدى معرفته بدور الوكيل فقال: “هو مرافق الامير يمثله في كل شيء، وهو لما يكلمني تساوي هيك وهيك. ولو يقول لي طب في النار اطب في النار. وكل ما يقوم به الوكيل يتم بعلم الامير”.

وعما ورد في التحقيق الاولي ان رسالة نصية وصلته على هاتفه من مروان الكيلاني مفادها ان الحمولة في سيارة الفان تأثرت ويجب السير فيها ببطء”، فضلا عن رسالة نصية اخرى من المتهم غيابيا خالد الحارث تطلب السير ولو كانت السيارة معطلة”، اكتفى بالقول “جميعهم يأتون على ذكر السيارة والطائرة والوزن. لم أر هاتين الرسالتين”.

وبنفيه معرفة اي شيء عن صاحب رقم هاتفي مسجل على لائحة جهازه الخليوي بإسم شخص من آل الاشقر، ذكَره القاضي حمود بمضمون افادته الاولية حيث اورد فيها “ان هذا الرقم يعود الى سائق احدى السيارتين اللتين اقلتهما من المطار الى الفندق، وتبين انه للمتهم غيابيا علي فياض اسماعيل تاجر المخدرات المعروف”. فنفى ايضا هذا الكلام او ان يكون اتصل به تاريخ وصول الامير ومرافقيه الى مطار بيروت، مثلما انكر قوله في تلك التحقيقات عن مصنع حبوب كبتاغون في لبنان يملكه الاردني “ابو احمد” الخالدي. وقال: “هم دوًنوا كل شيء. خالد الحارثي وسواه. انا لم اكتب شيئا”. واضاف ان “سموه لم ينقدني 16 الف دولار لاعطيها لشخص يدعى جمال، ولم أصرف من هذا المبلغ”.

ضغوط وتهديد

وهل كنت تعرف سائق الفان محمد سيف الدين قبل ان يُحضر اغراض الامير عبد المحسن من الفندق الى المطار؟”. أجاب المتهم بالنفي، منكرا ايضا رؤيته من المدعو محمد يقود الفان بعد ايصاله امام الفندق. وسئل: تراجعت امام الهيئة الاتهامية عن افاداتك السابقة في التحقيقين الاولي والاستنطاقي. وقلت امام تلك الهيئة لدى استجوابك إن الامير آل سعود لا علاقة له بقضية الكبتاغون، ولا يعلم بوجودها، بخلاف ما ذكرته في اقوالك السابقة. ورد الشمري: “تعرضت لضغوط ولتهديدي بعائلتي واغراءات مادية. وهذا ما حملني على قول ذلك امام الهيئة الاتهامية وفي حضور وكيلي بعدما عمل ضدي محام سابق”.

وهل زالت هذه الضغوط الآن ليتجرأ ويعود عنها أمام المحكمة؟. اجاب: “نعم زالت هذه الضغوط، وعائلتي انتقلت الى مصر”، مضيفا: “انا عبد مأمور. بعد شهر ونصف شهر على توقيفي تمكنت من توكيل محام. كيف لي ان انقل طنين من حبوب الكبتاغون على طائرة خاصة؟”.

وبسؤال وكيله المحامي السبع، قال المتهم انه يتعاطى “الكوكايين وحشيشة الكيف والخمور. وتعاطيت حبوب الكبتاغون في لبنان للمرة الاولى، وقد أعطاني إياها (المتهم) خالد الحارثي. واعترفت في التحقيق الاولي بما اتعاطاه”، مشيرا الى ان “الحارثي هو الوكيل الخاص بسمو الامير عبد المحسن. وحضرت الى لبنان بطلب من وكيلي شقيق الاخير والحارثي وبندر الشراري، بعدما ذكر الحارثي انه لن يحضر الى لبنان، وفوجئت عندما شاهدته في مطار بيروت. وفهمت من سمو الامير أنه غادر لبنان في اليوم التالي لحالة مرضية”.

ورفعت الجلسة الى 13 كانون الاول المقبل لاستجواب الامير الموقوف.

وكانت المحكمة قررت في بداية الجلسة محاكمة ثلاثة اظناء غيابيا، هم زياد الحكيم والسعودي مبارك علي الحارثي وبندر الشراري.

 

 

 

 

 

النهار