أشار كتاب صدر مؤخراً لمؤلفته ماريتا لورينزن العشيقة السابقة للقائد الكوبي الراحل فيديل كاسترو إلى ان المافيا الصهيونية (كوشر ـ نوسترا) والمافيا الإيطالية (كوزا ـ نوسترا) اغتالتا الرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي في عام 1963 وحاولتا عبر تجنيدها هي شخصياً اغتيال فيديل كاسترو في عام 1961. ولكن العملية الثانية فشلت لأن ماريتا لم تنفذ ما طلب منها.
ففي كتاب بعنوان: «الجاسوسة التي أحبت كاسترو: كيف جندتني وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لاغتيال فيديل كاسترو» تشير لورينز، وهي ألمانية الأب وأمريكية الأم، إلى لقائها عام 1959 في فندق ريفييرا في هافانا عاصمة كوبا (الذي امتلكه عضو المافيا الصهيونية مائير لانسكي) بالعميل الأمريكي المزدوج فرانك ستورجيس (الملقب بفرانك فيوريني) الذي عمل لمصلحة الـ»سي.اي.اي» والمافيا، وشقيق لانسكي المنتمي إلى مجموعة شقيقه وكانا قد نظما اللقاء آنذاك بعد إدراكهما أنها تقيم في غرفة فخمة في فندق هيلتون في العاصمة الكوبية برفقة كاسترو وهناك علاقة عاطفية بينهما. وقد دعياها في البداية لتسريب وثائق عن نشاطات وتحركات كاسترو، ولكنها لم تحقق رغباتهما واستمرت في علاقتها الحميمة مع القائد الكوبي إلى ان حملت منه.
وآنذاك، حسب الكتاب، وقعت حادثة غريبة، إذ في أحد الأيام، خُدرت ماريتا وأجهضت أو تم توليدها قسراً ثم وجدت نفسها في أمريكا إلى جانب والدتها من دون أن تعرف مصير طفلها. وشككت في أن يكون فرانك ولانسكي قاما بهذه العملية أو ان السلطات الكوبية فعلت ذلك بعد اكتشاف حقيقة دورها.
بيد ان ستورجيس أقنعها بالعودة إلى كوبا في مطلع عام 1961 لاكتشاف مصير طفلها وجنّدها لاغتيال كاسترو حيث أُعطيت قرصين مسمومين لوضعهما في شرابه ولكنها لم تفعل ذلك متذرعة بأن القرصين فقدا فعاليتهما لأنها وضعتهما في مادة لزجة في علبة للتجميل ولكن الواقع كان غير ذلك (على الأرجح). تقول في الصفحة (116) في لقائها مع كاسترو بعد العودة إلى هافانا سألته ماذا حدث في اليوم الذي خدّرت فيه وفقدت مولودها، فأبلغها ان طفلها في صحة جيدة وتقوم برعايته عائلة كوبية وأنه سيعيش وينمو كابن لدولة كوبا وكأنه كان يعرف تفاصيل ما حدث. ثم نظر إليها موجها السؤال التالي: «هل جئت إلى كوبا لاغتيالي؟» وأضاف: «لا أحد يستطيع اغتيالي». ثم سلّمها مسدسه فردته إليه باكية وسألته متى ستستطيع رؤية طفلها؟ ولكنها أدركت ان الأمر مستحيل في تلك المرحلة، علماً انها لم تقابله إلا عندما أصبح في الـ22 من عمره، بموافقة كاسترو، وبعد ان أصبح طبيبا اسمه اندريس.
وقالت في الصفحة (119) من الكتاب انها أحبت فيديل كاسترو بالفعل منذ ان التقته للمرة الأولى عندما أتت إلى هافانا على سفينة «برلين» برفقة والدها قبطان السفينة وأُعجبت بالطريقة العفوية التي استقبلها بها، وكانت آنذاك في الـ19 من عمرها. وأكدت انها كانت مرتاحة لكونها لم تقم بتنفذ عملية اغتياله.
وعندما زار كاسترو أمريكا في عام 1959 وقبل ان يختلف جذريا مع قيادة أمريكا (ايزنهاور ونيكسون) استقبله نائب الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون، وقال لها فيديل في لقاءاتهما انه لم يكن معجباً بنيكسون.
ولمعرفة كيف استطاع العميل المزدوج ستورجيس التواجد في كوبا عام 1959 فالسبب كان تهريبه الأسلحة للثوار الكوبيين خلال ثورتهم ضد نظام الرئيس الكوبي السابق باتيستا ولقربه من مجموعة تملك الكازينوهات والفنادق في هافانا مدعومة من المافيا.
وبعد عودة ماريتا إلى أمريكا عام 1961 استجوبها مكتب التحقيقات الفدرالي «FBI» عن سبب وجودها في كوبا وعلاقتها بكاسترو، وشعرت آنذاك ان والدتها كانت متابعة لما جرى لها وخصوصاً ان الوالدة كانت على ارتباط بفرانك ستورجيس.
وما ساهم في تأكيد هذا الأمر ان والدتها عرفتّها على مسؤول أمني أقنعها بالتعاون مع وكالتي الاستخبارات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفدرالي ودعاها للانخراط والتعاون مع المجموعات الكوبية المقيمة في الولايات المتحدة والمعارضة لنظام كاسترو. ومن خلال هذه العلاقة، اكتشفت ماريتا ان فرانك ستورجيس ورفاقه في المافيا نظما «عملية خليج الخنازير» الفاشلة التي تمثلت في هجوم عسكري نفذته مجموعة صغيرة من المعارضين الكوبيين ضد الجيش الثوري الكوبي عام 1963 وتم تدميرها. كما اكتشفت ان ستورجيس ورفيقه اورلاندو بوش ورفاقهما في المافيتين الصهيونية والايطالية كانوا يخططون لاغتيال جون كنيدي. وتقول في الصفحة (165) الفصل الخامس، انها التقت لي هارفي اوزوالد (قاتل كنيدي) في منزل اورلاندو بوش في ميامي (فلوريدا) حيث كان مجتمعاً بستورجيس وبوش، وأنها مازحته بعد ان أظهر برودة نحوها من البداية، وان هذه المجموعة انتقلت إلى دالاس (تكساس) في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 1963 حيث اغتيل جون كنيدي في 22 من الشهر نفسه.
وتشير في الصفحة (168) من الفصل ذاته إلى ان شخصاً اسمه جاك روبي (اسمه الكامل ياكوب روبنشتاين) رأته يجتمع بستورجيس قرب مقر إقامة المجموعة في دالاس. وروبي هو الذي اغتال اوزوالد مباشرة بعد اعتقاله على إثر تنفيذه اغتيال جون كنيدي. وتؤكد في الصفحة نفسها ان روبي انزعج عندما شعر أنها لاحظت وجوده وتحدثه مع فرانك وطلب من ستورجيس إبعادها عن المجموعة، وهكذا كان. وكانت ماريتا رأت روبي سابقا في فندق ريفيرا في هافانا الذي يملكه الثري الصهيوني لانسكي المرتبط بالمافيا الصهيونية والايطالية. ويذكر الكتاب ان صحافية أمريكية قابلت جاك روبي في سجنه، وقد تم العثور عليها مقتولة في عام 1965.
وتؤكد لورينز في الصفحة (171) ان فرانك ستورجيس واورلاندو بوش ومجموعتي المافيا الصهيونية والايطالية هم وراء اغتيال جون كنيدي، وانها أدلت بشهادة حول هذا الموضوع بطلب من لجنة تحقيق في اغتيال الأخوين كنيدي ومارتن لوثر كينغ في مجلس النواب الأمريكي (الكونغرس) عام 1978 وأوضحت كل ما ورد في الكتاب. وقررت اللجنة تبرئة كوبا وروسيا من مقتل كنيدي، ولكنها أبقت الملف مفتوحاً حول ضلوع المافيا في عملية الاغتيال، ولكنها لم تحدد أي مافيا.
وإذا لم يكن ارتباط ستورجيس باغتيال جون كنيدي كافيا فانه وبعلاقاته الاستخبارية والمافياوية كان (حسب لورينز) أحد المتهمين بالدخول إلى مقر الحزب الديمقراطي الأمريكي ووضع آلات تنصت فيه مما سُمي لاحقا «قضية ووترغيت» التي اضطرت الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى الاستقالة من منصبه عام 1973.
وألقت الشرطة الأمريكية القبض على ستورجيس ورفيقيه في هذه العملية هوارد هانت (الذي كان مستشاراً أمنياً لنيكسون) وغوردون ليدي حيث قضى فرانك 3 أشهر في السجن.
وكان ستورجيس حصل على مبالغ مالية من هانت لتنفيذ هذه العملية.
الأمر اللافت هنا ان جون كنيدي وريتشارد نيكسون لم يكونا من الرؤساء الأمريكيين المعارضين لفتح نوافذ سياسية مع العالم العربي وزعمائه الملتزمين بالقضية الفلسطينية وأنهما فتحا نوافذ سياسية مع قادة عرب بارزين في فترة رئاستيهما ولم يمتثلا كلياً للإرادة الصهيونية الإسرائيلية في أمريكا بمقاطعة مثل أولئك القادة العرب.
ولعل ما يؤكد خشية الأوساط الصهيونية الأمريكية من انفضاح الكثير مما تعرفه ماريتا لورينز عن اغتيال جون كنيدي وسقوط ريتشارد نيكسون، ان السناتور الأمريكي لنيويورك المؤيد بشدة لإسرائيل (الفونسو داماثو) قدّم لها الدعم المادي والمال في الفترة التي تعرضت فيها لصعوبات مالية واجتماعية بحجة انها قضت طفولتها في معسكر نازي في المانيا. علماً ان عمرها حاليا 78 وتحاول بيع قصتها لمنتج ومخرج سينمائي محترم بعدما باعتها سابقا لمنتجين ومخرجين من الدرجة الثانية ونتجت عنها أفلام من مستوى منخفض. وغلاف الكتاب يشير إلى ان فيلما في هذا الصدد سيُنتج قريبا.
وقد التقت ماريتا أواخر التسعينيات المخرج الأمريكي المعروف اوليفر ستون الذي اهتم بإنتاج وإخراج فيلم عن حياتها، وخصوصا الجزء المتعلق باغتيال جون كنيدي. وأعطاها مبلغا من المال. للذهاب إلى المانيا والقيام بأبحاث عن طفولتها المعذبة هناك أيام النازية وبعدها، ولكنها أعطت كثيرا من المعلومات عن حياتها أثناء زيارتها ووجودها هناك لصحافية المانية فغضب ستون وعَدَل عن إخراج الفيلم عنها. كما حاولت الذهاب إلى كوبا مرة أخرى واللقاء مع كاسترو عام 2000 ولكن طلبها قوبل بالرفض لإدراك السلطة الكوبية أن هدفها كان جمع المعلومات للفيلم السينمائي الذي قد يصور الأمور بإنحياز.
وتقول انها قابلت الممثلة الأمريكية داريل هانا التي كانت الصديقة الحميمة لابن جون كنيدي (جون) وأبلغتها بالتفصيل معلوماتها عن اغتيال الرئيس كنيدي. علما ان كنيدي الابن قتُل في حادث تحطم طائرته الخاصة في تسعينيات القرن الماضي.
مما لا شك فيه ان هذا الكتاب يشمل الكثير من الوقائع الهامة إلى جانب المبالغة في كثير من الأحيان لكون كاتبته تعرضت للكثير من الاختبارات الصعبة ومنها تحولها في فترة مطلع ستينيات القرن الماضي إلى امرأة تسعى لتأمين حياتها المادية والعاطفية بشتى الوسائل. هذا بالإضافة إلى ارتباطها بأسوأ أنواع الناس وفي طليعتهم عميل المافيا والاستخبارات فرانك ستورجيس الذي اضطرت إلى استمرار العلاقة معه وخصوصا بعد اكتشافها انه كان مرتبطاً بوالدتها ومنسقاً معها تحريك وإدارة شؤونها وعملياتها.
إذن فماتا هاري الكاريبية كانت إلى حد ما ضحية، شأنها شأن الكثيرين والكثيرات من الذين يتعاطون مهنتها.
وقد اعترفت في الصفحة الأخيرة من الكتاب أنها شخصياً كانت مسؤولة عن أخطائها وعن كونها استخدمت الجنس كسلاح. ولكنها أضافت قائلة انها أحبت جميع الذين أحبوها.

 

 

 

سمير ناصيف

Marita Lorenz:
The Spy Who Loved Castro
Ebury Press, London 2017
320 pages.