يتقاسم كثير من المثقفين والناشطين في الإعلام منذ فترة ليست بالقريبة فكرة ستكون محور اهتمامنا في هذا المقال، وهي أن الهجاء دليل على الديمقراطية.
وتتلخص الفكرة في أن قبولنا لهجاء الآخر حجة على أننا متشبعون بالثقافة الديمقراطية؛ فنحن في الهِجاء لا نقبل الرأي المخالف فقط، بل نقبله وهو في أقسى درجات حدته ولذْعه.

أقدم من قرن بين الهجاء والديمقراطية في ما تسنى لنا الاطلاع عليه يعود إلى خمسينيات القرن الماضي في مجمع للنصوص الهجائية جمعها أدريانوف وسماها ” الهجاء الديمقراطي الروسي في القرن السابع عشر”.

وفي عام 2012 قال جان إيمانويل دي كوان رئيس تحرير “ايمانيتاي” (أي إنسانية): “ليست حرية التعبير استثناء، بل قاعدة غير قابلة للنقاش. فإن نقبل بالهجاء فذلك يعني أن نقبل باستخدام الديمقراطية استخداما كاملا. إن الهجاء هو بالفعل واحد من الأدلة على الديمقراطية”.
وفي تصريح صحافي قال تياري فيسول مستشار الإعلام والاتصالات في الاتحاد الأوروبي عام 2015 : “إن الهجاء عنصر أساسي في الديمقراطية، فهو إذن وسيلة حوار بين المواطنين”.

وفي فرنسا، فإن من أركان حرية التعبير في البلاد حقا يسمى “حق الهجاء” هو الذي يحمي أهل الكاريكاتير من التتبع في حال نكلت صورُهم بساستهم أو بمعتقداتهم.
لم يستفد الشعراء العرب القدامي نعني الهجائين منهم طبعا، من “حق الهجاء” الذي لم يكن موجودا وكيف يوجد لرعايا كان حق وجودهم نفسه غير مكفول؟ لكن كبار الشعراء استطاعوا بطرقهم الخاصة أن يفتكوا إلى حين هذا الحق.
كان الحُطَيْئة شاعرا هجاء وصور البُسطاءُ لنا هجاءه وكأنه مرتبط بتعكر مزاجه، فهو يهجو كل شيء حتى وجهه: يراه فلا يرضى به. لكنه يعترض على سِحنته شكلا وجوهر الاعتراض على الخلْق (أرى لي وجها قبح الله خلقَه ٭ فقُبح من وجْه وقُبح حامِلُهْ) ؛ ويرى أمه فلا يرضى بها أما: ظاهر الاعتراض على الأم والاعتراض في جوهره على النسب (أَغِرْبالاً إذا استودعت سرا ٭ وكانونا على المتحدثينا؟) ولكنه هجا شريفا جميلا من عريقي السيادة هو الزبرقان بن بدر فقال: (دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها واُقْعُدْ فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسِي).
احتار عمر بن الخطاب لما رُفع إليه أمر الحطيئة في هذا البيت أهو مدح أم هجاء؛ فاستشار فيه الكبار (يقال إنه استشار حسان بن ثابت) فرأوا القعود عجزا والفاعلية الفخمة (طاعم/كاس) مفعولية مذلة كاسرة للعظمة فكانت القراءة: لسْتَ من أهل المكارم فلا تطلبها لأنك مُطْعمٌ مكسُو؛ قراءة تفتح على هجاء لا يطال فردا، بل عقلية؛ واعتراض طبقي على بورجوازية قديمة جذورها في الجاهلية وفرعها في الإسلام؛ لذلك يُودَعُ الحطيئة السجن بتهمة الشتم (غير المقذِع، فقد لطفه هذا المجاز المليح) ويفرج عنه بحق الهجاء غير المعلن.

كان للهجاء وجهان لعملة واحدة: وجه الأخلاق الذي يجعله شتيمة، ووجه الفن الذي يجعله مجرد تهويم وخيال لا يعاقب عليه إلا عقابا خفيفا.

فلقد أوردت الأخبار أن عمر حين أطلق سراح الحطيئة قال له: “إياك والهجاء المقذع “، وكان عمر يحكم في هذا النهي بالاعتماد على حديث نبوي جاء فيه: “من قال في الإسلام هجاء مقذعا فلسانه هدر” (انظر مثلا: العمدة :2/170). ليس الممنوع الهجاء بل المقذع منه، هذا مقتضى النص الذي يبيح الهجاء ضمنا؛ ويخفف منه أن الإقذاع سمة مفتوحة على الاجتهاد ومزاج أصحاب السلطة.
كانت ديمقراطية الهجاء في الشعر العربي القديم ذات شكلين كبيرين: ديمقراطية داخلية وأخرى خارجية. تكون الديمقراطية الداخلية حين يتعلق الأمر بمعارضة شاعر هجاء لهجاء آخر، ويكون المتهاجيان أو المتهاجون كزعماء الأحزاب وراءهم جمهور من المتحزبين لهجائهم.

هذا التحزب عبر القصيدة الهجائية يحكمه التعصب تماما كما في السياسة: التعصب للحزب وزعيمه تحركه القبيلة فهو عرقي، وقد تذكيه أشياء كثيرة أخرى ما يهمنا منها ههنا هو الحماسة الفنية التي يذكيها بدورها الانتصار للشاعر لأنه شاعر فحل. نستحضر في هذا السياق ما يُعرف في التراث النقدي بشعر النقائض، وهو مدونة هجاء صنعها ثلاثة من كبار شعراء العربية هم جرير والفرزدق والأخطل.
يقول ابن رشيق مقدما لقطعة شعرية قالها جرير مؤكدا الخلفية الحزبية القبلية لهذا الشعر: “وقال جرير لبني حنيفة وكان ميلهم مع الفرزدق عليه..” وأورد قطعة فيها هجاء لهم (العمدة:2/168). ومن وجوه الديمقراطية في النقائض أن يلتقي الشعراء الثلاثة ويعترف بعضهم لبعضهم بالأفضلية في الشعر، أو في سهولة رواجه بين الناس؛ فقلد قال الأخطل للفرزدق: “أنا والله أشعر من جرير غير أنه رُزق من سَيرورة الشعر ما لم أرزقه.

وقد قلت بيتا لا أحسبُ أن أحدا قال أهجى منه وهو :(قَوْمٌ إذا استَنْبَحَ الأضيَافُ كلبَهُمُ ٭ قالوا لأمهم بُولٍي على النار)؛ وقال هو (وذكر بيت جرير) فلم يبقَ سَقاء ولا أمَة حتى رَوَتْهُ” (العمدة:2/181) شعور الهجَاء كشعور زعيم الحزب: يرى حزبه الأفضلَ، لكن الحكم للجمهور والعامة، فمن انتصرت له العامة كان فلاحُه ونجاحُه؛ وما على خصمه الشعري/السياسي إلا أن يسلم له بنجاحه وفوزه. في هذه الحالة لن يكون للنقاد من وزْن كبير: هم تماما كالمثقفين الذين لا يؤثرون في مجتمعاتهم سياسيا فيلعنون العامة التي لم تختر الأفضل ولكنهم يقرون بأنها الديمقراطية.
الديمقراطية الخارجية في الهجاء، هي تلك التي سمحت للثقافة العربية القديمة أن تقبل هجاء يأتيها من شعراء ينتمون إلى هويات عرقية أو ثقافية أخرى. ونسوق في هذا الإطار مثالين أولهما قصيدة السموأل بن عادياء اليهودي الذي رد بهجائية على استنقاص بعض القبائل العربية لقبيلته في الجاهلية فقال: (تعَيرُنَا أنا قليلٌ عديدُنا ٭ فقلتُ لهَا إن الكرامَ قليلُ).

حفظت الذاكرة العربية هذه القصيدة وعدتها من تراثها، بل إننا ما زلنا ندرسها لتلامذتنا وقد نأمرهم بحفظها باعتبارها من “عيون الأدب العربي”.
المثال الثاني هو مطولة للشاعر بشار بن برد يتغنى فيها بالفرس أجداده ويستهزئ من العرب (انظر ديوانه بتحقيق بن عاشور:1/389-394). فبعد أن يمجد نسَبه (جدي الذي أسْمُو به ٭ كسرى وسَاسَان أبي) ويعدد ما يمكن أن يُعتبر سمات للشرف الفارسي من رياسة وثراء، يعرف قومه بالخُلْفِ بأن ينفي عنهم كثيرا من سلوك العرب البدو فيقول: (ولا حَدَا قَط ٭ أبِي خَلْفَ بَعيرٍ جَرِبِ) فيجعل صورة حادي العيس التي نتغنى بها في أشعارنا معيبة ؛ ويضيف (ولا اصْطَلَى قَط أبِي ٭ مُفَحجًا للهَبِ) فيجعل صورة اصطلائنا بالنار التي ما تزال حية في بوادينا، شكلا كاريكاتيريا لم يكن يضحكنا قبل تصويره هكذا في الهجاء بعين أجنبية، بل قل بعين اعتصمت لهجائنا بنسبة قديمة مقابلة لنا. غير أن تلك العين وهي تنفصم عن عرانا العربية وتستمسك بحبالها الفارسية، تجد في الإسلام ما به تستعصم من غضب السلطة التي قد لا تقبل من ديمقراطية الهجاء إلا ريحا خفيفة فإن تقوت أحالت الهاجي على محاكمة تاريخية بتهمة خيانة الهوية و “الاستقواء بالأجنبي” لذلك يقول بشار في قصيدته :(نغضب لله وللـ ٭ إسلام أسْرى [كذاỊ] الغضب).