بدأت المؤسسات الإعلامية الاعتماد على إعلام المواطن في تحرّي الأخبار، فأبدع بدوره في نقل الأخبار التي عايشها بنفسه في محيطه المجتمعي، وقدّم للعالم معرفةً قيّمةً بما يحدث في الأماكن التي يعيش فيها، وتحوّلت موادّه وصوره عن أحداث يصورها ويوثقها أغنى من التي يحصل عليها المتابعون من وكالات الأنباء.

انتشرت صحافة المواطن على نطاقٍ واسعٍ، وأصبحت حقيقةً يوميّةً تستخدمها الوكالات والصحف الكبرى وقنوات التلفزة، واستطاع مع نمو وسائل التكنولوجيا الحديثة والهواتف الذكية رفد المؤسسات الإعلامية بالموادّ العاجلة والمصورة بأقل التكاليف وأرخص الأجور، ودون التزامٍ منها بالتعويضات عن الأضرار والإصابات.

تصدّر من يُسمى “شاهد عيان” أو “ناشط ميداني” أو “مراسل من قلب الحدث” شاشات التلفزة العالميّة، ومواقع الأخبار مع اندلاع الربيع العربي؛ ليقاوم إعلام السلطة المحمي بقوة السلاح من قبل الأنظمة الحاكمة.  دفع الواجب الديني والوطني والأخلاقي العديد من الشباب لتصدّر الشاشات، وتبنّي صوت الجماهير المقموعة بإمكانياتٍ بسيطةٍ، معتمدون على أنفسهم ومدخراتهم ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة للجميع.

اعترفت المؤسسات الإعلاميّة القائمة بإعلام المواطن كأحد مصادر الصحافة والإعلام، وليس بديلاً عن الأدوار المهنية التي يقوم بها الصحافيون، فرض هذا الاعتراف المرحلةُ الانتقاليةُ الصعبة الحافلة بالأزمات والحروب والتحوّلات الكبيرة، والأخطار التي تعرّض لها هذا المواطن من قبل الأنظمة الفاسدة، حيث كان العمل الإعلامي أشبه باقتحام الجحيم الذي لا يمكن التنبؤ بما في داخله، ولا نتصور حجم العذاب فيه.

توقّف الشباب الثائرون عن دراستهم بعد تعرضهم للملاحقات الأمنية أو الاعتقال، ونالوا حظهم من التعذيب في سجونه، فقتل الكثير منهم، وخرج بعضهم ليلحق بالموكب الثائر، لم تخر عزيمتهم، ولم تفتر همتهم؛ بل زادهم القمع قوةً وإصراراً على اقتحام المخاطر، ونقلوا المشهد الحقيقي مهما كان الثمن، ضاربين مستقبلهم ومصير عائلاتهم بعرض الحائط مقابل القضايا المصيرية لبلادهم.

 

الصحفي عمر حاج قدور مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في تغطية قصف ادلب -تصوير: أحمد رحال

ظنّ بعضهم أنّ الأمر سيكون أسهل في المناطق المحررة، بعد انسحاب الجيش الأسدي والميليشيات منها، لكنّ الأمر على العكس تماماً، فتعدد المشاريع والمدارس والإيدلوجيات التي تبنتها الفصائل، يجعل الشاب الحر مقيّداً حائراً، وكأنّه يعيش ضمن حقلٍ من الألغام بل هو كذلك، يمسي ويستيقظ مع أخبار العبوات والمسدسات (الكاتمة)  والسيارات المفخخة تعصف برفاق دربه، حتّى إنّ بعضهم يستخدم الأسماء المستعارة والصور التنكرية متخفياً خلفها حتى من أصدقائه وأهله خوفاً أن يكشف سرّه، أو الوشاية به من أحد المقرّبين لدى ركوبه أحد المناهج الفكريّة الدخيلة المعاديّة للثورة، فيعيش وقد يموت خلف ذلك الاسم دون أن يشعر أحد به.

مقاتلين من معارك جبل الزاوية -تصوير: حليم العربي

تلاقي المصالح فرض التشاركية وجعل العديد من المؤسسات الكبيرة والمحترمة تعتمد على هؤلاء الشباب بمهنيةٍ واحترام، وتتجنب الصدام معهم أو تجاهلهم أو ابتزازهم، واستطاعت تبنّي العديد منهم، وأمّنت احتياجاتهم، وعاملتهم كصحفيين محترفين بعد إخضاعهم لدوراتٍ  تعلّم مهارات عدة في مقدمتها بعض قواعد العمل الصحافي الخاصة بتحري الدقة قبل النشر، مع احترام قوانين حماية الخصوصية والملكيّة الفكريّة للغير، وكفالة حق الرد للمنتقدين، وساهمت الكثير من تلك المؤسسات بتسهيل دراساتهم في دول مجاورة وتعويضهم بالشهادات والخبرات؛ التي أفقدتهم إيّاها الحرب، ممّا رفع درجات الثقة بين المؤسسة الإعلاميّة وبين الناشط فجعلته يمدّها بكلّ ما تحتاجه على الأرض، حتّى على خطوط النار الأولى وفي غمرة القصف الجنوني للمناطق المحررة.

بينما تستخدم بعض المؤسسات والشبكات المغمورة أولئك المواطنين الصحفيين طعماً لصيد النفائس من الداخل وسلماً تصعد به إلى الشهرة التي ستوصلها للدعم، فتحاول بأن تحظى بأكبر عدد من الناشطين بأقلّ الكلفة مغتنمة بذلك الحاجة الحرجة لأولئك الشباب، لتبني إمبراطوريات إعلامية من الوهم، مما يجعل العلاقة بين المؤسسة والناشط علاقة مصلحة آنية، تنتهي عند الحصول على عرضٍ أفضل، يستغني به الناشط عن مؤسسته، أو تستغني المؤسسة عن مراسلها لدى وجود من يقدّم لها عرضاً أفضل بكلفةٍ أقلّ، لتصرف النظر عن العقود مع الصحفيين المحترفين، وتستبدل العقد الواحد بخمسة عقود أو أكثر، لتجمع المعلومات وترصد الأحداث، وتعيد تحريرها وتستخدم الصور وفق سياستها، دون أن تخشى من أيّ تبعات.

إنّ العلاقات التي تحكمها المصالح آنيةٌ وسطحيّةٌ، قد تعصف بها المتغيرات، ومن السهل أن تطيح بالمبادئ والثوابت وتدوسها؛ لأن النظرة الذاتية تدعمها المصلحة والأنانية. بينما العلاقات التي تحكمها الأخلاق والاحترام ثابتةً وقادرة على البقاء مهما كانت الضغوط لا حاجة فيها للنفاق والمراوغة، وهذا ما يفسر الولاء الذي يمتاز به بعض الناشطين لشبكات قامت على أكتافهم، ونافست كبرى المؤسسات الإعلاميّة، وهددت قدرتها على الاستمرار، والجدير بالذكر أن تلك المؤسسات الحديثة غير مدعومة ولم تقدّم لأفرادها أيّ راتبٍ أو فائدةٍ، إلا أنّها المنبر الحر الذي عبّروا من خلاله عن قضاياهم، ووجد جمهورهم فيها الحقيقة التي يبحثون عنها في محيط من الأخبار المغلوطة والمسيسة والكاذبة.

 

 

 

 

عن الأيام السورية