كشف صحافيون مفصولون من أحد أكبر وأهم وأشهر الصحف اليومية في مصر كيف تتدخل السلطات في قمع الرأي الآخر في وسائل الإعلام، وكيف أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتدخل شخصياً من أجل إبعاد الإعلاميين من غير المؤيدين له عن مواقعهم وتسريحهم من وظائفهم.
وأصدر أربعة صحافيين مفصولون من صحيفة “اليوم السابع” واسعة الانتشار بياناً للرأي العام والشعب المصري والجمعية العمومية لنقابة الصحافيين ونواب البرلمان وأعضاء الأحزاب والقوى السياسية كشفوا فيه ما تعرضوا له حتى يتم إقصاؤهم عن مواقعهم داخل الصحيفة.
وقالوا “نحن صحافيو جريدة “اليوم السابع” المفصولين من العمل تعسفياً، لمجرد الإدلاء بآرائنا، وممارسة حقنا في التعبير، في إطار الدستور والقانون. وباسم رئيس الجمهورية تم التنكيل بنا، وتشريد أسرنا، بادعاء رئيس التحرير خالد صلاح، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي هو المالك الجديد للصحيفة، وأنه لا يريدنا في صحيفته، رأينا من الضروري إطلاع الرأي العام على التفاصيل الكاملة لمذبحة الصحافيين الأخيرة غير المسبوقة في تاريخ مهنة الرأي”.
وأضاف البيان “يوم الأربعاء، 26 يوليو/تموز 2017 استدعى رئيس التحرير 4 صحافيين في الجريدة، هم: عبد الرحمن مقلد، وماهر عبد الواحد، ومدحت صفوت، وسمر سلامة، أعضاء بنقابة الصحافيين، ومعينون في الجريدة منذ ما يقرب من 10 سنوات، ومعروفون بالكفاءة في العمل، إلى اجتماع في مكتبه، وطلب دخول كل واحد منا بمفرده لمقابلته، وبدأ حديثه أن الظروف في مصر اختلفت، وظروف المؤسسة اختلفت، وهناك مالك جديد للصحيفة، هو الرئيس عبد الفتاح السيسي، والنظام الحاكم، وإن الإدارة الجديدة طلبت منه فصلنا، وهو الآن أمام “دبابة” على حد قوله، وإنه بديلاً عن الفصل، يطلب منّا التوقيع على إجازة بدون مرتب لمدة عام”.
وتابعوا: “حين استفسر الزملاء عن سبب القرار، أبلغهم خالد صلاح بوضوح أن الأمر يعود لموقفهم السياسي، بتوقيعهم على بيان ضمن 1600 صحافي في مؤسسات قومية وخاصة، بخصوص تيران وصنافير وبسبب منشورات على فيسبوك، عرض على بعض الزملاء عدداً منها.
وأكد رئيس التحرير في حديثه مع الصحافيين الذين التقاهم منفردين أن مالك الصحيفة الجديد هو الرئيس السيسي والنظام الحاكم، بل إنه ضرب مثلاً لبعضنا بأنه لا يمكن لصحافي في جريدة “المصري اليوم” مثلاً الحديث بالنقد عن محلات “لابوار” المملوكة لمؤسس الجريدة، صلاح دياب، وبالتالي لا يمكن لصحافيي “اليوم السابع” الحديث عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، بأي صورة من الصور، لأنه المالك الحقيقي للصحيفة، وهو ما استرعى دهشتنا، على حد تعبيرهم في البيان.
ومن المعروف أن جريدة “اليوم السابع” هي إحدى الصحف الخاصة، وهي مملوكة بالكامل لرجل الأعمال المعروف أحمد أبو هشيمة، إذ لا توجد أي علاقة للحكومة أو النظام بالصحيفة بشكل رسمي.
وأضاف البيان: “أكد خالد صلاح لكل زميل على حدة أن قرار الفصل لم يصدر منه، أو من رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، باعتباره مالك الجريدة حسب ما هو شائع، بل إنه يرفض قرار الفصل، ويؤمن بأهمية الاختلاف في الآراء، لكن الظروف الحالية لا تسمح بذلك، كما أن وضع المؤسسة الآن لا يقبله، ومنحنا خالد صلاح مهلة للرد عليه حتى يوم الأحد، 30 حزيران/يوليو”.
وتابع: “يوم السبت، 29 تموز/يوليو، توجهنا إلى نقابة الصحافيين، واجتمعنا بسكرتير عام النقابة، الأستاذ حاتم زكريا، وتقدمنا بشكويين رسميتين، إحداهما لنقيب الصحافيين الأستاذ عبد المحسن سلامة، والأخرى للسكرتير العام، بما حدث، وطلبنا تدخل النقابة في قضيتنا، وأكد لنا السكرتير العام أنه سيجري مناقشة الأزمة في اجتماع المجلس، الذي عُقد بالفعل يوم الأحد، 30 الماضي، وكان النقيب طلب الاجتماع بنا قبل انعقاد المجلس، للاطلاع على ملابسات الأزمة”.
واضاف الصحافيون: “في الموعد الذي حدده خالد صلاح للرد، حضرنا إلى مقر الجريدة، وسلمنا مكتبه مذكرة تفيد تمسكنا بالعمل، ورفضنا توقيع الإجازة المطلوبة، حيث لا نملك مصدر دخل آخر سوى رواتبنا، وأوضحنا له أن توقيع إجازة سنة بدون مرتب معناه بوضوح تشريدنا وتجويع عائلاتنا طوال هذه المدة، وطالبنا بالحصول على حقوقنا القانونية حال تمسك الإدارة بفصلنا من العمل”.
وأكد الصحافيون: “طلب خالد صلاح الاجتماع بنا، وبدأ في توجيه العتاب لنا، واعتبر شكوانا للنقابة تصعيداً “غير مقبول” وقال لنا بالحرف الواحد “إنتوا مفصولين، وروحوا للنقابة خليها ترجعكوا” وحين طلبنا منه ورقة تفيد فصلنا، تصاعد الأمر وطلب لنا الأمن في مكتبه لطردنا من مقر الصحيفة”.
وأضافوا “توجهنا إلى نقابة الصحافيين، وأبلغنا النقيب وأعضاء المجلس الحاضرين بما حدث، وتقدمنا بشكوى رسمية للنقابة، وعليه اجتمع المجلس، وناقش الأمر في اجتماعه الدوري، وأعلن غضبه مما جرى، باعتباره سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الصحافة، وفوّض المجلس نقيب الصحافيين بالتواصل مع إدارة الجريدة لحل الأزمة. وفوجئنا، فجر الإثنين، بخبر على موقع “اليوم السابع” يتعمّد الغمز واللمز باتهامنا باطلاً بابتزاز الجريدة والتآمر ضدها، وهو خبر كاذب كذباً واضحاً”.
ويقول البيان إن “خالد صلاح تعمد تشويهنا، والإساءة لسمعتنا المهنية، واتهمنا بالعمالة، واستغلال الأزمة سياسياً، في حين أنه هو من تحدث في البداية باسم النظام الحاكم، وزجّ بشخص الرئيس في قرار جائر، وبالمخالفة للقانون، وهو ما تقدمنا بشكوى رسمية بشأنه إلى نقابة الصحافيين، لإحالة الزميل للتحقيق، ووقف قيْده بالنقابة، مع العلم أنه أجبر فيما بعد 10 من الزملاء الموقعين على بيان “تيران وصنافير” على تقديم إجازات بدون مرتب، تحت دعاوى واهية، بعد شكوانا لنقابة الصحافيين”.
وقال الصحافيون “حرر الزملاء محضر إثبات حالة بقسم شرطة الدقي، بعد أن توجهوا لصحيفتهم، فوجدوا توجيهاً لدى الأمن بمنعهم من الدخول لممارسة عملهم، كما توجهوا بشكوى إلى مكتب العمل، حفظاً لحقوقهم القانونية من الضياع، بعد أن ضرب خالد صلاح عرض الحائط بقانون العمل رقم 12 لسنة 2003، وقانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996، وميثاق الشرف الصحافي رقم 76 لسنة 1970، وكلها تنظم علاقات العمل وإجراءات الفصل والإجازات، ما يعد فصلاً تعسفياً يستوجب المساءلة القانونية والنقابية”.
وانتهى الصحافيون إلى القول: “إننا، إذ نصدر هذا البيان، لإجْلاء الحق، والانتصار للقيم الأخلاقية والمهنية التي تمليها علينا ضمائرنا وواجبنا الوطني، نهيب بالجماعة الصحافية الاصطفاف على قلب رجل واحد، لوقف العسف بالصحافيين وأصحاب الرأي، من بعض أصحاب النفوس المريضة من قيادات الصحف الخاصة، تحت دعاوى الانحياز بالباطل للدولة، والتحدث باسمها لتشريد وتجويع الصحافيين وأصحاب الرأي”.
في هذه الأثناء، أدانت “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” قرار صحيفة “اليوم السابع” بفصل عدد من صحافييها على خلفية ممارستهم حقهم المكفول قانوناً في التعبير عن الرأي السياسي، وقالت إن الأسوأ من ذلك هو اتهام الصحيفة لصحافييها في بيان بـ”إساءتهم لليوم السابع” و”التآمر مع مؤسسة إعلامية تابعة لحزب الله اللبناني” في إشارة إلى صحيفة “الأخبار” اللبنانية لأن الصحيفة نشرت خبراً حول الأزمة.
وناشدت نقابة الصحافيين التدخل لصالح الصحافيين المفصولين، وفتْح تحقيق في ممارسات صحيفة “اليوم السابع” ضد حرية الرأي والتعبير، ما يشكل انتهاكاً كذلك للحقوق الأساسية المكفولة للعاملين في قانون العمل المصري، انتصاراً لدور النقابة الأصيل في حماية حرية الرأي والتعبير فضلاً عن حقوق أعضائها.

 

 

 

 

القدس العربي