يبدأ مسار التنمية الحقيقة بفهم لتنظيم العالم ومكاننا ضمنه، يمتد ذلك على البيئة المحيطة بالمجتمع وتأثيرها  على الموارد و على الحياة الاقتصادية، السياسية، الثقافية و الفلسفية.  ضمن هذا الإطار يشكل تزايد عدد السكان في العالم محوراً هاماً تتمركز حوله  آليات تطور كافة النظم المتعلقة بالموارد و ادارتها و الصراعات القائمة و المستقبلية حولها.

في مراجعة زمنية سريعة للوجود الإنساني نجد أن مجمل عدد البشر الذين ولدوا على سطح الأرض منذ نشأة الإنسانية يقدر بثمانين مليار انسان، باعتبار تاريخ الإنسانية بدأ منذ حوالي مئتي ألف عام.  ويتفق العلماء أن عدد أفراد أول مجتمع انساني كان بحدود مئة ألف انسان و بلغ هذا الرقم مئتين و خمسين مليون في العام واحد ميلادي و تزايد الرقم الى مليار انسان  عام 1800 و فثلاثة مليار عام 1960 ثم تضاعف الى ما نحن عليه اليوم  مقاربين سبعة مليار انسان و يتوقع أن نصل الى تسعة مليار شخص في عام 2050.

والسؤال الأكثر الحاحاً لنا اليوم هو هل تواكب موارد الأرض هذا التزايد المطرد في أعداد البشر واحتياجاتهم  المرتبطة بأكملها بالوسائل التي تتيحها البيئة المحيطة من غذاء، و سكن و مواصلات و تدفئة و غير ذلك، فقد اقترن تضاعف عدد البشر في الخمسين عاماً الماضية بتضاعف الإنتاج الزراعي لسد احتياجات الغذاء و تطلب  ذلك زيادة في استنزاف للموارد الطبيعية و تدمير للمواطن البيئية  و استهلاكً اكبر للمياه و استخدام متزايد للمبيدات. و من المنتظر أن يتطلب تأمين الغذاء لتسعة مليار شخص خلال فترة زمنية قريبة زيادة في الإنتاج على الصعيد الزراعي أولا و في كل ما يرتبط بالاستهلاك البشري و لن يمر ذلك دون المزيد من صراعات على الموارد و دون تأثيرات إضافية على البيئة ستنعكس بشكل مباشر على حياة البشر.

فأي توجه مستقبلي يسعى للتنمية المستدامة في ظل هذا التزايد السكاني المتوقع لا بد أن يمر عبر تغيير بالسلوك الاستهلاكي ، علينا أن نتغير فعلياً و ذلك يطلب عدة عوامل للدفع بهذا التغيير منها نظرة اقتصادية أكثر سعة لمفهوم التنمية المستدامة على المستوى العالمي و ادراك محدودية الموارد و مخاطر الصراعات المستقبلية حولها و الانتقال نحو سلوكيات الاستهلاك المعتدل.

يتطلب ذلك أيضاً مساواة على مستوى البلدان والعالم، ليس من مبدأ توزيع متساو للإنتاج، ولكن من مبدأ تساوي الفرص للجميع بما يسمح ببناء الحياة بمسارات مختلفة و نتائج مختلفة لكن من نقاط انطلاق على سوية واحدة فتساوي الفرص يعني المساواة في المقدرة على الوصول للموارد الأولية للحياة، المساواة في ما وصل اليه التقدم العلمي و الصناعي، المساوة في التعليم المعمق القادر على احداث الفرق و تساوي حق الجميع بالحصول على بيئة مناسبة للحياة في كل أنحاء الأرض.

ليست تلك هي الثقافة السائدة اليوم، في ظل نظام استهلاكي شره للربح السريع مقابل القليل من الجهد ويمر ذلك دوماً عبر استثمار مفرط للبيئة يؤدي لتدميرها.  يحتاج تغيير هذه المفاهيم الى تربية الأجيال الجديدة بيئياً أي ادراج المفاهيم البيئية ضمن المناهج الدراسية ليسهل إدراك المخاطر والتأقلم مع حياة أقل استهلاكاً وأكثر وعياً بالمحيط الحيوي وأشد اتصالاً به.

هذه المساواة ستتطلب إذا الانتقال من اقتصاد يتمحور حول الربح والمنفعة الفردية، كما هو الحال اليوم حيث يسيطر ويدير و يستهلك عشرون بالمئة من البشر ثمانون بالمئة من الموارد الأرض، نحو اقتصاد يتمحور حول الإنسانية انطلاقاً من واقع أن التلوث الذي يصدر عن أي مكان ما في العالم يتلقى نتائجه السلبية كل فرد على سطح كوكب الأرض فكذلك يجب أن تكون إمكانية الوصول الى التنمية المستدامة و البيئة المناسبة للحياة متاحة لجميع السكان.

ذلك ما نلحظه واضحاً في سياسات الاتحاد الأوروبي الذي بدأ يزيد من انتاج الطاقة النظيفة و يدعم مشاريع التنمية المستدامة في الدول النامية كما يدعم اتفاقيات إيقاف الانبعاثات الحرارية التي تعود فائدتها على كافة الدول كما نجح في توفيق الآراء حول أهمية هذه المفاهيم و تشريعها كأسس لتطبيق مواثيق حقوق الانسان في كل انحاء العالم و هو التوجه السليم الذي نحتاجه اليوم لتفادي صراعات كثيرة ستعاني منها البشرية نتيجة تدهور بيئتها المحيطة،

من هذه المنطلقات كان موقف رئيس الولايات المتحدة الأميركية الذي فضل مصالح أميركا الاقتصادية الآنية على المصالح المشتركة للإنسانية محط نقد أغلبية رؤساء دول الاتحاد الأوروبي و كانت الإجابة الأكثر اختصاراً و شمولاً على هذا الموقف هو ما كتبه الرئيس الفرنسي ماكرون حين استخدم شعار الحملة الانتخابية للرئيس ترامب  ((اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى)) ليجعل منه (( اجعل كوكبنا عظيماً مرة أخرى)) ً فهي مسؤولية و حق  وواجب علينا الدفاع عنه من أجل الأجيال القادمة.