في مقالاتي كثيرا ما أستشهد بنصوص قرآنية أو أحاديث منسوبة الى النبي محمد ، في سياق ايجابي انساني ، نصوص من قبيل آية ” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” ( 252 ) البقرة ، أو آية ” إنِّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) البقرة، أو حديث ” إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر” صحيح مسلم،  ونحوه. فتأتيني اعتراضات شفوية ومكتوبة من فريقين ، فريق مؤمن بالإسلام كعقيدة أحادية شمولية وهذا حاضرٌ في حال المسلمين اليوم، وفريق آخر غير مؤمن بالإسلام، يتبنّى موقف اقصاء الاسلام من الحياة الاجتماعية العامة لكونه – وفقا لهم- عقيدة جوهرانية تحرّض على العنف ورفض الآخر. الفريق الأولّ يتبنّى مقولة أن الاسلام بريء من الارهاب ولكنّهُ  بالمقابل يحضّ على الجهاد ، أما الفريق الثاني فيبنّى مقولة أن عقيدة الاسلام هي مصدر الارهاب والشرور.

*

الفريق الاسلاموي، أصحاب الفهم الانغلاقي للإسلام ، عادة يلغي مفاعيل غالب الآيات الايجابية  تحت بند المنسوخ من القرآن الكريم ، أو أنّها تختصّ بغير المسلمين أو بالأمم السابقة للإسلام ، أو عبر التشكيك في نسبة الحديث نفسهُ إلى النبي محمد وكونه حديثا ضعيفا أو موضوعا. ومن أمثلة ذلك                                                                                                     أ- حديث: “حب الوطن من الإيمان”. حيث ورد في الاجابة على فتوى بخصوص حب الوطن في الموقع الالكتروني واسع الانتشار ، الاسلام ويب، ما يلي: حديث مكذوب موضوع لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الصغاني : موضوع. وقال الألباني: موضوع، كما في ضعيف الجامع والسلسلة الضعيفة[1]

ب- آية ” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” حيث يفتي الشيخ ابن باز بكونها آية خاصة بأهل الكتاب وليس بجماعة المسلمين ، أو أنها منسوخة بآيات القتال ، حيث يورد” للعلماء في الآية الكريمة قولان: أحدهما: أنها وأمثالها منسوخات بآية السيف، وهي قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ. وما جاء في معناها مثل قوله تعالى:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .والقول الثاني: أنها في أهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس إذا سلموا الجزية فإنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام؟ لقول الله عز وجل: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، ولأن النبي أخذ الجزية من مجوس هجر. وبذلك يعلم أنه ليس فيها حجة لمن زعم عدم وجوب الجهاد في سبيل الله[2]

ج- حديث ” الجنة تحت أقدام الأمهات “ حيث يرد في موقع سلفي شهير ، موقع ملتقى أهل الحديث، أنّه ذو اسناد ضعيف ”  كذبه أبو زرعة , وأبو حاتم ، وقال النسائي : ليس بثقة , وقال الدار قطني وغيره : متروك , وقال ابن حبان : لا تحل الرواية عنه كان يضع الحديث , وقال ابن عدي : كان يسرق الحديث .كما في  الميزان  6 \ ص559 [3]

*

الفريق العلمانوي، و ليس العلماني فالعلمانية بمعنى فصل الدين عن السياسة ضرورية لتحقيق المواطنة المتساوية ، العلمانوية تلغي مفاعيل غالب الآيات والأحاديث الايجابية ،عبر حجّة الانتقائية أوأنّها آيات وأحاديث هامشية تُستخدم خارجيا فقط للدعاية و البرباغندا ، وهي لا تعكس  جوهر العنف في الاسلام و كونه عقيدة شمولية أحادية، و كذلك بحجّة أن التاريخ الاسلامي بالإضافة إلى واقع المسلمين اليوم دموي متخلّف ، ولا يعكس المفاعيل الايجابية لهذه النصوص المقدّسة من الآيات والأحاديث.

*

تعقيبا على اعتراضات الفريق الاسلاموي الفريق العلمانوي ، سأعرض عددا من الملاحظات ذات الصلة.

أولا- كل عقيدة دينية – او غير دينية – فيها الغث والثمين ، و هي قابلة وتوجد في أشكال متعددة متغيرة متفاوتة الحيوية ، ربطا بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ولا يوجد جوهر ثابت لأي عقيدة دينية أو غير دينية .

ثانيا- ينبغي فهم وتفسير النصوص المقدّسة وغير المقدّسة استنادا إلى مرجعية البداهة الحيوية الكونية ، بما لا ينافي التجربة ، وبما يتوافق مع أولويات الحياة والعدل والحرية. فلا ينبغي للنصوص المقدّسة أن تكون مرجعية بحدّ ذاتها، بل يجب فهمها وتفسيرها استنادا الى مرجعية بدهية انسانية مشتركة تحقق الصالح العام، و النصوص المقدّسة التي تتعارض مع معايير هذه المرجعية ينبغي أخذها – من قبل مجتمع المؤمنين – على الظرفية و التقييد أي أنها مصالح مضى عصرها ، حيث أنّ هذه المصالح كانت بنت و سياق عصر ، وهي مشمولة بسنّة الله في النسخ والتغيير.

ثالثا- ثمّة فرق كبير بين اعتماد نصوص القرآن الكريم والأحاديث المنسوبة للنبي محمد كمرجعية تشريعية  مُلزمة للمسلمين أو عامة الناس. وبين الاستشهاد و التمثيل بالحيوي والايجابي من هذه النصوص لتعزيز فكرة أو التذكير بمصلحة  يقرّها عامة الناس عبر المجتمعات ، كمصالح بر الأمهات والوالدين أو مصالح حب الوطن أو مصالح الحرية العقائدية كما في آية ” لا اكراه في الدين ”

رابعا- بنفس منطق الاستشهاد الايجابي بنصوص مقدّسة اسلامية ، يمكن الاستشهاد بنصوص مقدسة مسيحية أو بوذية أو أقوال ماركس مثلا،  دون أن يترتب على ذلك إلزام الكاتب أو القائل بكامل المنظومة العقائدية  الاسلامية أو المسيحية أو البوذية أو الماركسية.

خامسا- الحساسية المفرطة في التعامل مع النصوص المقدسة الاسلامية ، والاستقطاب الكبير بين اسلاموي يريد أن يفرض عليك قالب الإيماني المغلق، و بين علمانوي ينكر وجود ما هو ايجابي و صالح في الاسلام، إن هذه الحساسية الزائدة و الاستقطاب  يخفي وجود مجتمع وفكر عربي اسلامي  عصابي مأزوم ، لا يحتمل الاختلاف والنسبية

سادسا- يتوافق الطرفان العلمانوي و الاسلاموي على محو أو تقليل شأن الجانب الحيوي الايجابي في الاسلام ، الطرف العلمانوي بحجّة أنه جانب ضئيل و مُجتزأ لا يعبّر عن حقيقة الاسلام العنصرية، أما الطرف الاسلاموي بحجّة أنه جانب منسوخ و أن الخير كلّه في الاسلام، و بالتالي فلا حرج من الجهاد لإلزام الآخرين بسلطة الإسلام أو العيش في كنفها صاغرين.

سابعا- ماذا يضر العلمانوي أن يحب انسان مسلم أمّه أو وطنه أو يقبل بحرية الاعتقاد استنادا أو استلهاما من نصوص القرآن الكريم و الأحاديث النبوية ..مادامت مُخرجات الايمان ايجابية !

ثامنا- كل النصوص التاريخية ، بما يشمل النصوص المقدسة ، هي نصوص من الصعب اثبات برهان حدوثها بمعايير علم التاريخ والوثائق، و بالتالي فبرهان نسبتها إلى النبي أو الزعيم الديني هو أمر احتمالي و قابل للمراجعة و يحتمل اكتشافات جديدة، هذا ما ينبغي أن يعرفهُ المؤمنون قبل غيرهم ، ليس لكي يهجروا ايمانهم ، بل لكي يكونوا أقلّ جزما وأكثر تواضعا في أحكامهم تجاه أنفسهم والآخرين.

*

الهوامش

[1] موقع الاسلام ويب، أحاديث ضعيفة و موضوعة،  رقم الفتوى 17193، تاريخ 3-6-2002، الرابط

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=17193

[2] الموقع الرسمي لسماحة الامام ابن باز – في سؤال حول يقول الله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، هل هذه الآية خاصة باليهود والنصارى؟ أم أنها عامة؟ الرابط

http://www.binbaz.org.sa/fatawa/1865

[3] موقع ملتقى أهل الحديث ، تخريج حديث الجنة تحت أقدام الأمهات، الرابط

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=12965