تسير الدراما السورية بخطواتٍ ثابتةٍ نحو القاع. البعض الذي يتغزّل بكمّ الأعمال المُنتجة يبدو أقرب إلى من يضع سكّراً على الجرح، فالهوية تاهت، والمستوى تدنّى، والاستسهال كان السمة الأولى لمسلسلات شهر الصوم.

هذا العام، تخلّى غالبيّة النقّاد عن صمتهم وقرّروا أن يُكاشفوا الصنّاع بالأغلاط كلّها، الأمر الّذي اعتبره البعض قسوةً على صنعةٍ يشتغل أصحابها في ظروفٍ غير صحيّة.

بدءاً من الوضع الأمني المتردّي في دمشق، مروراً بهجرة الكفاءات إلى لبنان ومصر، انتهاءً بالحصار المفروض على المسلسل السّوري والّذي أدّى، في محصّلته، إلى خروج سبعة أعمالٍ عن خارطة العرض في رمضان.

ما قِيل قبلاً، يُمكن أن يبرّر الشُّح الإنتاجيّ، ويمكن أن يغفر للبعض اشتغالهم في درامات الدّرجة العاشرة، لكنّه ليس حجّة كافيةً لغضِّ النّظر عن العجزِ والبدائيّة اللّذين طبعا غالبيّة إنتاجات هذا العام.

الهيبة: “متّهمون بالسّرقة، والجمهور رضيان”

الهيبة
حين شاهدنا بروموشن الهيبة ، تفاءلنا بمسلسلٍ يقتحم عالماً بِكراً في لبنان بعيداً عن لعبة القصور والصبايا الجميلات.

في الحلقات الأولى، كنّا أمام بنيةٍ درامية مكوّنةٍ من تجميعاتٍ حكائية.

إذا كنّا نتحدّث عن “جبل” (تيم حسن)، النّافذ، الصُّلب، الّذي لا يفكّر مرّتين قبل أن يطرد دورية أمنٍ عن حدود الهيبة، فالأكيدُ أنّ الحكاية تُحيلنا نحو نوح زعيتر ومعادلاته في لبنان.

خمس حلقاتٍ انقضت، وعليا (ندين نجيم) ، تسأل “ما الّذي يحدث هنا؟ أين أنا؟ ما هذه العوالم الّتي أُقحمت فيها؟”

أن تجعل الشخصية تطرح أسئلة “ساذجة” بتصديقٍ زائد، فهذا لن يجعل الأسئلة صادقةً، فعلاً، في وعي الجمهور.

الهيبة يريد أن يقول لنا: عليا لا تعرف شيئاً عن العشائر، ولم تسمع بهم يوماً، ولم يقل لها أحدٌ عن قاموسهم العاداتيّ و”العدوانيّ” قبلاً.

دهشتها في الصيدلية، في الحلقة الثانية، هي فعل استجهالٍ وليس فعل جهل. خمسُ حلقاتٍ مضت ولم يخطر لعليا أن تكتب “عائلة شيخ الجبل” على غوغل، حتى تستنتج أنّها تعيش وسط رجالٍ يتعاملون مع فعل القتل ببساطة خلع الحذاء وارتدائه.

هذه الحقيقة وصلتها من المحامي اللبنانيّ، الّذي لا يعرف شيئاً عن عائلة أقرب أصدقائه هو الآخر.

أبو-هيبة-في-جبل-الحلال

صفحة Syrian drama على فيسبوك نشرت تعليقاً يظهّر نقاط التشابه بين الهيبة وبين مسلسل “أبو هيبة في جبل الحلال” من بطولة الممثل الرّاحل محمود عبد العزيز.

وذهبَ المنشور إلى حدّ اتّهام أسرة المسلسل السوريّ اللبنانيّ بسرقة الكثير من مفاعيل ومفاتيح الحكاية في العمل المصريّ.

الأمر الّذي أثار لغطاً كثيراً عبر السوشل ميديا، لكنّه لم يؤثّر على جماهيرية الهيبة الّذي لا زال يحظى بمتابعةٍ واسعة في العالم العربيّ.

يجتهد سامر البرقاوي لصناعة حكايةٍ ممتعة، وهو موفّق في ذلك بدليل الحصاد الجماهيريّ الواسع الّذي كسبه العمل، لكنّ هذا لا يُعفي المسلسل من بدائيته الحكائية.

قناديل العشّاق، البيئة الشامية في قالب شعري

قناديل-العشاق

حين يُسند عمل بيئة شاميّ لـسيف الدين سبيعي، نتفاءل. فمُخرج “تعب المشوار” قدّم نتيجتين مشرّفتين في “الحصرم الشامي” (نص فؤاد حميرة) و”طالع الفضّة” (نصّ عباس النوري وعنود الخالد).

في قناديل العشّاق، يتّجه السبيعي، مع شريكه خلدون قتلان، إلى ما يُمكن أن ندعوه “دراما ذاتَ طابعٍ شعريّ”.

يرصد العمل قصّة حبّ تجمع المغنية اليهودية “إيف” (سيرين عبد النّور) بالعتّال الشاميّ “ديب” (محمود نصر) الّذي يقدَّم، حكائيّاً وإخراجيّاً، بلبوسِ “البطل” بما في المفردة من معاني الشهامة والرّجولة والفتوّة والجمال.

الشعرية الحكائيّة في قناديل العشّاق تُحيلنا نحو واحدةٍ من الصفات الرئيسة في دراما الرّحابنة، لكنّ ما يُعيب حكاية قتلان هو بطء إيقاعها وفقرها بالأحداث.

في المقلبِ الآخر، يقدّم السبيعي شغلاً سمعيّاً/ بصريّاً جيداً للغاية، ويهتمّ بالتفاصيل المرئية بدءاً من الأزياء والمكياج مروراً بالكوادر والتشكيلات وانتهاءً بالوصلات الغنائيّة.

ملاحظاتٌ عدّة يُمكن أن تُسجّل على خيارات المخرج في ما يخصّ بعض الممثلين، حيث يظهر القدير رفيق علي أحمد بدور زعيم الحارة وقد أربكته اللهجة الشامية بدرجةٍ ما، أمّا سيرين عبد النّور فإطلالتها مقبولةٍ في مشاهد العاديّات لكنّها حين اختُبرت في افتراضٍ حكائيّ حسّاس كانت دون التوقعات.

أوركيديا، الخيبة الكبرى

أوركيديا

حين تُسند عملَ فانتازيا تاريخيّ لحاتم علي، وتفاخر بأنّ كلفته النهائية بلغت خمسة ملايين دولار أميركي (ما يكفي لتنفيذ خمسة مسلسلاتٍ كاملةٍ داخل سورية) وتُدعّم المشروع بباقةٍ من أفضل النّجوم المحليين، فإنّك مطالبٌ بنجاحٍ لا يختلف عليه اثنان، وكلّ ما عدا ذلك هو إخفاقٌ كامل المواصفات.

مصدرٌ مُقرّب من الدائرة المُغلقة للعمل قال، رافضاً الكشف عن اسمه، إنّ حاتم علي قرأ الحلقات الثلاث الأولى واكتفى بها ليعلن تبنّيه للمسلسل وموافقته على إدارته.

وحين دخل أوركيديا مراحلَ التنفيذ تنبّه صاحب “التغريبة الفلسطينية” إلى مشكلاتٍ في النّص، وبعيدَ جولةِ تعديلٍ أولى رفض السيناريست عدنان العودة الاشتغال على النّص مجدداً، الأمر الّذي جعل مخرجَ “الفصول الأربعة” يستعين بالممثل والسيناريست إياد أبو الشامات.

الأخير كتب خطّه الدراميّ وعالجَ الخطوط الباقية، هذا ما تكشفه تدوينة العودة الّذي أعلن، مؤخّراً، تبرّأه من العمل مدّعياً أنّ المادة التي تعرض على الشاشة بعيدةٌ عن المكتوب، قبلَ أن يُبدي مؤلّف “فنجان الدّم” جاهزيّته لعرضِ النّص الأصليّ على الرّاغبين.

بتواترٍ بطيء، وبتشظٍّ حكائيّ، تتالى حلقات أروكيديا.

لوهلةٍ تشعر وكأنّك تشاهد ظلالَ عابد فهد وسلّوم حداد وسلافة معمار وجمال سليمان. أربعةٌ من نخبة الممثلين يقدّمون أداءً عاديّاً للغاية.

الأمر ليس مختلفاً بالنّسبة لباسل خيّاط وسامر المصري، العائد إلى الدراما السورية مؤخّراً، لكنّ الأخيرَين نجحا في منحِ شخصيّتيهما جاذبية مُضافةً ضمن حيّزٍ ضيّق على مستوى الحكاية والارتجال.

في وقتٍ مضى من العام الماضي، عبّر المخرج حاتم علي عن أسفه لكونِه ما عاد قادراً على الاشتغال في شرطٍ فنيّ لائق بسبب تبعيّة الصنعة لتوجّهات المحطّات ومن خلفها المنتجين. 

في أوركيديا، توفّرت لصاحب “الزّير سالم” ظروفٌ صحيّة لصناعة عملٍ منافس. المُنتج هلال أرناؤوط جدّد الثقة بعلي، وأمّن مستلزمات النجاح كلّها، لكنّ النتيجة كانت دون الطموحات.

باب الحارة، الأوّل في المتابعة والسُّخرية

باب-الحارة

أوشك باب الحارة أن يتحوّل إلى جزءٍ من طقوس رمضان. MBC لن تتوقّف عن الاستثمار في العمل الّذي يحاكي دجاجةً تبيض إعلاناتٍ في شهر الصوم.

ما عاد العمل يحتمل مطالعاتٍ نقديّة، فصنّاعه لا يأبهون بحجم السخرية التي تطالُ المسلسل على السوشل ميديا.

الآغا (بسام الملّا) يُحيي من يشاء ويقتل من يشاء ويستبدل من يشاء بمن يشاء، ويبدو أنْ لا مشكلة لدى مخرج “ليالي الصالحية” في إحياءِ الشخوص وهي رميمُ طالما أنّ الفضائية السعودية جاهزةٌ لشراء العمل بصالحه وطالحه.

بعضُ المشاركين في الجزء التاسع من العمل يضربون بسيف المتابعين، ويعتبرون كثافة المشاهدة دليلَ نجاح. لا يكترث هؤلاء بعشرات الأمثلة التي تُثبت أنّ جماهيرية العمل ليست مقياسَ قيمةٍ يُعتدّ به، فالأوسكارات، مثلاً، لا تُمنح استناداً لأرقام شبّاك التذاكر.

 

 

 

 

 

رامي كوسا | رصيف 22